أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
264
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 176 إلى 177 ] وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 176 ) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 177 ) قوله تعالى : وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ : قرأ نافع « يحزنك » بضم حرف المضارعة من « أحزن » رباعيا في سائر القرآن إلا التي في قوله : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ « 1 » فإنه كالجماعة . والباقون بفتح الياء من حزنه ثلاثيا ، فقيل : هما من باب ما جاء فيه فعل وأفعل بمعنى ، وقيل : باختلاف معنى ، فحزنه جعل فيه حزنا نحو : دهنه وكحله أي : جعل فيه دهنا وكحلا ، وأحزنته إذا جعلته حزينا ، ومثل حزنه وأحزنه : فتنه وأفتنه ، قال سيبويه « 2 » : « وقال بعض الأعراب : أحزنت الرجل وأفتنته أي : جعلته حزينا وفاتنا » . وقيل : حزنته أحدثت له الحزن ، وأحزنته عرّضته للحزن ، قاله أبو البقاء . وقد تقدّم في البقرة « 3 » اشتقاق هذه اللفظة وما قيل فيها . وتقدّم أيضا أنه يقال : حزن الرجل بالكسر ، فإذا أرادوا تعديته عدّوه بالفتحة فيقولون : « حزنته » . ك « شترت « 4 » عينه وشترها اللّه » . والحقّ أنّ حزنه وأحزنه لغتان فاشيتان لثبوتهما متواترتين وإن كان أبو البقاء قال : « إنّ أحزن لغة قليلة » . ومن عجيب ما اتفق أن نافعا - رحمه اللّه - يقرأ هذه المادة من « أحزن » إلا التي في الأنبياء كما تقدم ، وأن شيخه أبا جعفر يزيد بن القعقاع يقرؤها من « حزنه » ثلاثيا إلا التي في الأنبياء ، وهذا من الجمع بين اللغتين ، والقراءة سنّة متّبعة . ويقرأ : يُسارِعُونَ بالفتح والإمالة . وقرأ النحوي : « يسرعون » من أسرع في جميع القرآن . قال ابن عطية : « وقراءة الجماعة أبلغ ، لأنّ الذي يسارع غيره أشدّ اجتهادا من الذي يسرع وحده . وقوله : شَيْئاً فيه وجهان : أحدهما : أنه مصدر أي : لا يضرّونه شيئا من الضرر . والثاني : أنه منصوب على إسقاط الخافض أي : لن يضروه بشيء ، وهكذا كلّ موضع أشبهه ففيه الوجهان . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 178 ] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 178 ) قوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي ؛ قرأ الجمهور « يَحْسَبَنَّ » بالغيبة ، وحمزة بالخطاب ، وحكى الزجاج عن خلق كثير كقراءة حمزة إلا أنّهم كسروا « إنما » ونصبوا « خيرا » وأنكرها ابن مجاهد ، وسيأتي إيضاح ذلك ، ويحيى بن وثاب بالغيبة وكسر « إنما » ، وحكى عنه الزمخشري أيضا أنه قرأ بكسر « إنما » الأولى وفتح الثانية مع الغيبة . فهذه خمس قراءات . فأمّا قراءة الجمهور فتخريجها واضح ، وهو أنه يجوز أن يكون الفعل مسندا إلى « الَّذِينَ » ، و « أنّ » وما اتصل بها سادّ مسدّ المفعولين عند سيبويه ومسدّ أحدهما والآخر محذوف عند الأخفش حسبما تقدم غيره مرة . ويجوز أن يكون
--> ( 1 ) سورة الأنبياء ، آية ( 103 ) . ( 2 ) انظر الكتاب 2 / 234 . ( 3 ) انظر آية رقم ( 38 ) . ( 4 ) شترت عينه : الشّتر : انقلاب من جفن العين قلّما يكون خلقة ، والشّتر : مخففة : فعلك بها . وقال ابن سيده : الشتر : انقلاب جفن العين من أعلى وأسفل وتشنجه . . وقيل غير ذلك . اللسان : ( شتر ) 2193 .