أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
249
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يغلّ غلّا بالكسر فيهما . قال تعالى : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ « 1 » أي حقد . قوله : وَمَنْ يَغْلُلْ الظاهر أنّ هذه الجملة الشرطية مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب ، وإنما جيء بها للرّدع عن الإغلال . وزعم أبو البقاء أنها يجوز أن تكون حالا ، ويكون التقدير : في حال علم الغالّ بعقوبة الغلول ، وهذا وإن كان محتملا ولكنه بعيد . و « ما » موصولة بمعنى الذي ، فالعائد محذوف أي : غلّه ، ويدلّ على ذلك الحديث : « إنّ أحدهم يأتي بالشيء الذي أخذه على رقبته » ، ويجوز أن تكون مصدرية ، وتكون على حذف مضاف أي : بإثم غلوله . وقوله : ثُمَّ تُوَفَّى هذه الجملة معطوفة على الجملة الشرطية ، وفيها إعلام أنّ الغالّ وغيره من جميع الكاسبين لا بدّ وأن يجازوا فيندرج الغالّ تحت هذا العموم أيضا فكأنه ذكر مرتين . قال الزمخشري : « فإن قلت : هلّا قيل : « ثم يوفّى ما كسب » ليتصل به . قلت : جيء بعامّ دخل تحته كلّ كاسب من الغالّ وغيره فاتّصل به من حيث المعنى ، وهو أثبت وأبلغ . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 162 إلى 164 ] أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 162 ) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 163 ) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 164 ) قوله تعالى : أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ : الكلام على مثله قد تقدّم من أنّ الفاء النية بها التقديم على الهمزة ، وأن مذهب الزمخشري تقدير فعل بينهما . قال الشيخ « 2 » : « وتقديره في مثل هذا التركيب متكلّف جدا » . انتهى . والذي يظهر من التقديرات : « أحصل لكم تمييز بين الضالّ والمهتدي ، فمن اتّبع رضوان اللّه واهتدى ليس كمن باء بسخطه وغلّ » . لأنّ الاستفهام هنا للنفي . و « من » هنا موصولة بمعنى الذي في محلّ رفع بالابتداء ، والجارّ والمجرور الخبر . قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن تكون شرطا ، لأنّ « كمن » لا يصلح أن يكون جوابا » يعني لأنّه كان يجب اقترانه بالفاء ، ولأنّ المعنى يأباه . و « بِسَخَطٍ » يجوز أن يتعلّق بنفس الفعل أي : رجع بسخطه ، ويجوز أن يكون حالا فيتعلّق بمحذوف أي : رجع مصاحبا لسخطه أو ملتبسا به . و « مِنَ اللَّهِ » صفته . والسّخط . الغضب الشديد ، ويقال : « سخط » بفتحتين وهو مصدر قياسي ، ويقال : « سخط » بضمّ السين وسكون الخاء ، وهو غير مقيس ، ويقال : « في سخطة الملك » بالتاء أي : في كراهة منه له . قوله : وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ في هذه الجملة احتمالان : أن تكون مستأنفة ، أخبر أنّ من باء بسخطه أوى إلى جهنّم . ويفهم منه مقابله وهو : أنّ من اتّبع الرضوان كان مأواه الجنة ، وإنما سكت عن هذا ونصّ على ذلك ليكون أبلغ في الزجر ، ولا بدّ من حذف في هذه الجمل تقديره : أفمن اتبع ما يؤول به إلى رضا اللّه فباء برضاه كمن اتّبع ما يؤول به إلى سخطه .
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، آية ( 43 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط 3 / 102 .