أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

238

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1480 - إذا ما بكى من خلفها انصرفت له * بشقّ وشقّ عندنا لم يحوّل « 1 » ولو قرىء بنصب « طائِفَةً » على أن تكون المسألة من باب الاشتغال لم يكن ممتنعا إلا من جهة النقل فإني لم أحفظه قراءة : وفي خبر هذا المبتدأ أربعة أوجه : أحدها : أنه « قَدْ أَهَمَّتْهُمْ » كما تقدم . الثاني : أنه « يَظُنُّونَ » والجملة قبله صفة ل « طائفة » . الثالث : أنه محذوف ، أي : ومنكم طائفة ، وهذا يقوّي أنّ معناه التفصيل ، والجملتان صفتان ل « طائِفَةً » ، أو يكون « يَظُنُّونَ » حالا من مفعول « أَهَمَّتْهُمْ » أو من « طائِفَةً » لتخصّصه بالوصف ، أو خبرا بعد خبر إن قلنا إنّ « قَدْ أَهَمَّتْهُمْ » خبر أول ، وفيه من الخلاف ما مضى غير مرة . الرابع : أنّ الخبر « يَقُولُونَ » ، والجملتان قبله على ما تقدّم من كونهما صفتين أو خبرين ، أو إحداهما خبر والأخرى حال ، ويجوز أن يكون « يَقُولُونَ » صفة ، أو حالا أيضا إن قلنا : إنّ الخبر الجملة التي قبله ، أو قلنا إنّ الخبر مضمر . وقوله : يَظُنُّونَ له مفعولان ، فقال أبو البقاء : « غَيْرَ الْحَقِّ » مفعول أول أي : أمرا غير الحق ، و « بِاللَّهِ » هو المفعول الثاني . وقال الزمخشري : « غَيْرَ الْحَقِّ » في حكم المصدر ، ومعناه : يظنّون باللّه غير الحق الذي يجب أن يظنّ به ، و « ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ » بدل منه ، ويجوز أن يكون المعنى : « يظنون باللّه ظنّ الجاهلية » ، و « غَيْرَ الْحَقِّ » تأكيد ل « يَظُنُّونَ » كقولك : « هذا القول غير ما تقول » ، فعلى ما قال لا يتعدّى « ظَنَّ » إلى مفعولين ، بل تكون الباء ظرفية للظن ، كقولك : « ظننت بزيد » أي : « جعلته مكان ظنّي » ، وعلى هذا المعنى حمل النحويون قوله : 1481 - فقلت لهم ظنّوا بألفي مدجّج * سراتهم في الفارسيّ المسرّد « 2 » أي : اجعلوا ظنكم في ألفي مدجّج . وتحصّل في نصب « غَيْرَ الْحَقِّ » وجهان : أحدهما : أنه مفعول أول ل « يَظُنُّونَ » . والثاني : أنه مصدر مؤكّد للجملة التي قبله بالمعنيين اللذين ذكرهما الزمخشري . وفي نصب ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ وجهان أيضا : البدل من « غَيْرَ الْحَقِّ » ، أو أنه مصدر مؤكد ل « يَظُنُّونَ » ، و « بِاللَّهِ » : إمّا متعلق بمحذوف على جعله مفعولا ثانيا ، وإمّا بفعل الظن على ما تقدم . وإضافة « الظن » إلى « الْجاهِلِيَّةِ » قال الزمخشري : « كقولك : « حاتم الجود ، ورجل صدق » يريد الظنّ المختصّ بالملة الجاهلية ، ويجوز أن يراد : ظنّ أهل الجاهلية » وقال غيره : « المعنى : المدة الجاهلية أي : القديمة قبل الإسلام نحو : حميّة الجاهلية » . قوله : هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ : « مِنْ » في « مِنْ شَيْءٍ » زائدة في المبتدأ ، وفي الخبر وجهان : وأصحّهما : أنه « لَنا » ، فيكون « مِنَ الْأَمْرِ » في محلّ نصب على الحال من « شَيْءٍ » لأنه نعت نكرة قدّم عليها فينتصب حالا ، ويتعلق بمحذوف .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم .