أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
235
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : أنه الباري تعالى . والثاني : أنه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . قال الزمخشري : « ويجوز أن يكون الضمير في « فَأَثابَكُمْ » للرسول ، أي : فآساكم في الاغتمام ، وكما غمّكم ما نزل به من كسر رباعيته غمّه ما نزل بكم من فوت الغنيمة . و غَمًّا مفعول ثان ، و « بِغَمٍّ » يجوز في الباء أوجه : أحدها : أن تكون للسببية ، على معنى أنّ متعلّق الغم الأول الصحابة ، ومتعلّق الغمّ الثاني قتل المشركين يوم بدر ، والمعنى : فأثابكم غمّا بالغمّ الذي أوقعه على أيديكم بالكفار يوم بدر . وقيل : « متعلّق الغمّ الرسول ، والمعنى : أذاقكم اللّه غمّا بسبب الغمّ الذي أدخلتموه على الرسول والمؤمنين بفشلكم ، أو فأثابكم الرسول ، أي : آساكم غمّا بسبب غم اغتممتموه لأجله . والثاني : أن تكون الباء للمصاحبة أي : غمّا مصاحبا لغمّ ، ويكون الغمّان للصحابة ، فالغمّ الأول الهزيمة والقتل . والثاني : إشراف خالد بخيل الكفار ، أو بإرجاف قتل الرسول عليه السّلام ، فعلى الأول تتعلّق الباء ب « أثابكم » . قال أبو البقاء : « وقيل : المعنى بسبب غمّ ، فيكون مفعولا به » . وعلى الثاني تتعلّق بمحذوف ، لأنه صفة لغمّ ، أي : غمّا مصاحبا لغمّ ، أو ملتبسا بغمّ . وأجاز أبو البقاء أن تكون الباء بمعنى « بعد » أو بمعنى « بدل » ، وجعلها في هذين الوجهين صفة ل غمّا » ، وكونها بمعنى « بعد » و « بدل » بعيد ، وكأنه يريد تفسير المعنى ، وكذا قال الزمخشري : « غمّا بعد غم » . وقوله : فَأَثابَكُمْ هل هو حقيقة أو مجاز ؟ فقيل : مجاز ، كأنه جعل الغمّ قائما مقام الثواب الذي كان يحصل لولا الفرار ، فهو كقوله : 1475 - أخاف زيادا أن يكون عطاؤه * أداهم سودا أو محدرجة سمرا « 1 » وقوله : 1476 - . . . * تحية بينهم ضرب وجيع « 2 » جعل القيود والسياط بمنزلة العطاء ، والضرب بمنزلة التحية . وقال الفراء : « الإثابة هنا بمعنى المعاقبة ، وهو يرجع إلى المجاز » . قوله : لِكَيْلا هذه لام « كي » ، وهي لام جر ، والنصب هنا ب « كي » لئلا يلزم دخول حرف جر على مثله . وفي متعلّق هذه اللام قولان ، أحدهما : أنه « فَأَثابَكُمْ » ، وفي « لا » على هذا وجهان : أحدهما : أنها زائدة ، لأنه لا يترتّب على الاغتمام انتفاء الحزن ، والمعنى : أنه غمّهم ليحزنهم عقوبة لهم على تركهم مواقعهم ، قاله أبو البقاء . الوجه الثاني : أنها ليست زائدة ، فقال الزمخشري : « معناه : لكي لا تحزنوا لتتمرّنوا على تجرّع الغموم ، وتضروا
--> ( 1 ) البيت للفرزدق انظر ديوانه 1 / 227 ، البحر 3 / 83 ، شواهد الكشاف 40414 . ( 2 ) تقدم .