أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

220

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ : قرأ البزي بخلاف عنه بتشديد تاء « تَمَنَّوْنَ » ، ولا يمكن ذلك إلا في الوصل ، وقاعدته أنه يصل ميم الجمع بواو ، وقد تقدّم تحرير هذا عند قوله : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ « 1 » . والضمير في « تَلْقَوْهُ » فيه وجهان ، أظهرهما : عوده على الموت ، والثاني : عوده على العدوّ ، وإن لم يجر له ذكر لدلالة الحال عليه . والجمهور على كسر اللام من « قَبْلِ » ؛ لأنها معربة لإضافتها إلى أن وما في حيّزها أي : من قبل لقائه . وقرأ مجاهد بن جبر : « من قبل » بضم اللام وقطعها عن الإضافة كقوله : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ « 2 » ، وعلى هذا ف « أن » وما في حيّزها في محلّ نصب على أنها بدل اشتمال من الموت أي : تمنّون لقاء الموت كقولك : « رهبت العدوّ لقاءه » . وقرأ الزهري والنخعي : « تلاقوه » ومعناه معنى « تلقوه » لأن « لقي » يستدعي أن يكون بين اثنين عادة وإن لم يكن على المفاعلة . قوله : فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ الظاهر أن الرؤية بصرية فتكتفي بمفعول واحد ، وجوّزوا أن تكون علمية فتحتاج إلى مفعول ثان وهو محذوف أي : فقد علمتموه حاضرا أي : الموت ، إلّا أنّ حذف أحد المفعولين في باب « ظن » ليس بالسهل ، حتى إنّ بعضهم يخصّه بالضرورة كقول عنترة : 1457 - ولقد نزلت فلا تظنّي غيره * منّي بمنزلة المحبّ المكرم « 3 » أي : فلا تظنّي غيره واقعا مني . قوله : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ يجوز أن تكون حالية ، وهي حال مؤكدة رفعت ما تحتمله الرؤية من المجاز أو الاشتراك ، أي : بينهما وبين رؤية القلب ، ويجوز أن تكون مستأنفة ، بمعنى : وأنتم تنظرون في فعلكم الآن بعد انقضاء الحرب هل وفّيتم أو خالفتم ؟ وقال ابن الأنباري : « رَأَيْتُمُوهُ » أي : قابلتموه وأنتم تنظرون بعيونكم ، ولهذه العلة ذكر النظر بعد الرؤية حين اختلف معناهما ، لأنّ الأول بمعنى المقابلة والمواجهة . والثاني : بمعنى « رؤية العين » وهذا غير معروف عند أهل اللسان ، أعني إطلاق الرؤية على المقابلة والمواجهة ، وعلى تقدير صحته فتكون الجملة من قوله : « وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ » جملة حالية مبيّنة لا مؤكدة ؛ لأنها أفادت معنى زائدا على معنى عاملها ، ويجوز أن يقدّر ل « ينظرون » مفعولا ، ويجوز ألّا يقدّر ، إذ المعنى : وأنتم من أهل النظر . واللّه تعالى أعلم وللّه الحمد والمنّة . قوله تعالى : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ : « ما » نافية ولا عمل لها هنا مطلقا أعني على لغة الحجازيين والتميميين ، لأنّ التميميين لا يعملونها البتة ، والحجازيون يعملونها بشروط منها : ألّا ينتقص النفي ب « إِلَّا » ، إذ يزول السبب الذي

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 267 ) . ( 2 ) سورة الروم ، آية ( 4 ) . ( 3 ) تقدم .