أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

211

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والرفع على القطع المشعر بالمدح . قوله : وَالْكاظِمِينَ يجوز فيه الجرّ والنصب على ما تقدّم فيما قبله . والكظم : الحبس . كظم غيظه أي : حبسه وكظم القربة والسّقاء : إذا شدّ فمويهما مانعا من خروج ما فيهما ، ومنه : الكظام لسير تشدّ به القربة والسّقاء كذلك . والكظم في الأصل : مخرج النفس ، يقال : أخذ بكظمه أي : مخرج نفسه . والكظوم : احتباس النّفس ، ويعبّر به عن السكون كقولهم : « فلان لا يتنفّس » . والمكظوم : الممتلىء غيظا وكأنه لغيظه لا يستطيع أن يتكلّم ولا يخرج نفسه ، والكظيم : الممتلىء أسفا ، قال أبو طالب : 1434 - فحضضت قومي واحتسبت قتالهم * والقوم من خوف المنايا كظّم « 1 » وكظم البعير : إذا ترك الاجترار من ذلك ، ومنه قول الراعي : 1435 - وأفضن بعد كظومهنّ بجرّة * من ذي الأباطح إذ رعين حقيلا « 2 » والحقيل : نبت ، وقيل : موضع ، فعلى الأول هو مفعول به وعلى الثاني هو ظرف ، ويكون قد شذّ عدم جرّه ب « في » لأنه ظرف مكان مختصّ ، ويكون المفعول محذوفا أي : إذ رعين الكلأ في حقيل ، ولا تقطع الإبل جرّتها إلا عند الفزع ، ومنه قول أعشى باهلة يصف رجلا يكثر نحر الإبل : 1436 - قد تكظم البزل منه حين تبصره * حتّى تقطّع في أجوافها الجرر « 3 » والجرر جمع جرّة . والكظامة : حلقة من حديد تكون في طرف الميزان تجمع فيها خيوطه ، وهي أيضا السّير الذي يوصل بوتر القوس ، والكظائم : خروق بين اليدين يجري منها الماء إلى الأخرى ، كلّ ذلك تشبيها بمجرى النفس . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 135 ] وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 ) قوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا : يجوز أن يكون معطوفا على الموصول قبله ، ففيه ما فيه من الأوجه السابقة ، وتكون الجملة من قوله : « وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » جملة اعتراض بين المتعاطفين ، ويجوز أن يكون « وَالَّذِينَ » مرفوعا بالابتداء ، و « أُولئِكَ » مبتدأ ثان ، و « جَزاؤُهُمْ » مبتدأ ثالث ، و « مَغْفِرَةٌ » خبر الثالث ، والثالث وخبره الثاني ، والثاني وخبره خبر الأول . وقوله : « إِذا فَعَلُوا » شرط جوابه « ذَكَرُوا » وقوله : « فَاسْتَغْفَرُوا » عطف على الجواب ، والجملة الشرطية وجوابها صلة الموصول ، والمفعول الأول لاستغفر محذوف ، أي : استغفروا اللّه لذنوبهم . وقد تقدّم الكلام على « استغفر » ، وأنه يتعدّى لاثنين ثانيهما بحرف الجر ، وليس هو هذه اللام بل « مَنْ » ، وقد تحذف ، وقوله : « وَمَنْ يَغْفِرُ » استفهام معناه النفي ، ولذلك وقع بعده الاستثناء .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 56 . ( 2 ) انظر ديوانه ( 132 ) ، اللسان ( فيض ) . ( 3 ) انظر البيت في تفسير القرطبي 4 / 206 .