أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
203
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 122 إلى 123 ] إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 122 ) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 123 ) قوله تعالى : إِذْ هَمَّتْ في هذا الظرف أوجه : أحدها : أنه بدل من « إِذْ غَدَوْتَ » فالعامل فيه العامل في المبدل منه . الثاني : أنه ظرف ل « غَدَوْتَ » . الثالث : أنه ظرف ل « تُبَوِّئُ » وهذه الأوجه تحتاج إلى نقل تاريخي في اتحاد الزمانيين . الرابع : أن الناصب له « عليم وحده ، ذكره أبو البقاء . الخامس : أن العامل فيه : إمّا « سَمِيعٌ » وإما « عَلِيمٌ » على سبيل التنازع ، وتكون المسألة حينئذ من إعمال الثاني ، إذ لو أعمل الأول لأضمر في الثاني ، ولم يحذف منه شيئا كما قد عرفته غير مرة . وقال الزمخشري : « أو عمل فيه معنى « سَمِيعٌ عَلِيمٌ » . قال الشيخ « 1 » : « وهذا غير محرّر ؛ لأن العامل لا يكون مركبا من وصفين ، فتحريره أن يقال : عمل فيه معنى سميع أو عليم ، وتكون المسألة من التنازع » . قلت : لم يرد الزمخشري بذلك إلّا ما ذكرته من إرادة التنازع ، ويصدق أن يقول : عمل فيه هذا وهذا بالمعنى المذكور لا أنهما عملا فيه معا ، على أنه لو قيل به لم يكن مبتدعا قولا ، إذ الفراء يرى ذلك ، ويقول في نحو : « ضربت وأكرمت زيدا » إنّ « زيدا » منصوب بهما وإنهما تسلّطا عليه معا ، ولتنقيح هذه المسألة موضوع غير هذا حرّرتها فيه بحمد اللّه تعالى . والهمّ : العزم . وقيل : بل هو دونه ، وذلك أن أوّل ما يمر بقلب الإنسان يسمى خاطرا ، فإذا قوي سمّي حديث نفس ، فإذا قوي سمّي همّا ، فإذا قوي سمّي عزما ، ثم بعده إما قول أو فعل ، وبعضهم يعبّر عن الهمّ بالإرادة ، تقول العرب : هممت بكذا أهمّ به - بضم الهاء - ، ويقال : « همت » بميم واحدة ، حذفوا إحدى الميمين تخفيفا كما قالوا : مست وظلت وحست في مسست وظللت وحسست ، وهو غير مقيس . والهمّ أيضا : الحزن الذي يذيب صاحبه وهو مأخوذ من قولهم : « هممت الشحم » أي : أذبته . والهمّ الذي في النفس قريب منه ؛ لأنه قد يؤثر في نفس الإنسان كما يؤثّر الحزن ، ولذلك قال الشاعر : 1427 - وهمّك ما لم تمضه لك منصب * . . . « 2 » أي : إنك إذا هممت بشيء ولم تفعله ، وجال في نفسك فأنت في تعب منه حتى تقضيه . قوله : أَنْ تَفْشَلا متعلق ب « هَمَّتْ » لأنه يتعدّى بالباء ، والأصل : بأن تفشلا ، فيجري في محل « أَنْ » الوجهان المشهوران . والفشل : الجبن والخور . وقال بعضهم : « الفشل في الرأي : العجز ، وفي البدن : الإعياء وعدم النهوض ، وفي الحرب الجبن والخور » والفعل منه « فشل » بكسر العين ، وتفاشل الماء إذا سال .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 46 . ( 2 ) لم نعثر عليه .