أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

200

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الفاء رفع ليس إلا ، كقوله تعالى : وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ « 1 » والتقدير : فلا يضرّكم ، والفاء حذفت في غير محل النزاع كقوله : 1421 - من يفعل الحسنات اللّه يشكرها * والشرّ بالشر عند اللّه سيّان « 2 » أي : فاللّه يشكرها . وهذا الوجه رأيت بعضهم ينقله عن المبرد ، وفي نظر ، من حيث إنهم لمّا أنشدوا البيت المذكور نقلوا عن المبرد أنه لا يجيز حذف هذه الفاء البتة لا ضرورة ولا غيرها ، وينقلون عنه أنه كان يقول : « إنما الرواية في هذا البيت : من يفعل الخير فالرحمن يشكره وردّوا عليه بأنه إذا صحّت رواية فلا يقدح فيها غيرها . ورأيت بعضهم ينقله عن الفراء والكسائي ، وهذا أقرب . الوجه الثالث : أن الحركة حركة اتباع ، وذلك أن الأصل : لا يضرركم بالفك لسكون الثاني جزما ، وسيأتي أنه إذا التقى مثلان في آخر فعل سكن ثانيهما جزما أو وقفا فللعرب فيه مذهبان : الإدغام - وهو لغة تميم - والفك - وهو لغة الحجاز - ، لكن لا سبيل إلى الإدغام إلا في متحرك ، فاضطررنا إلى تحريك المثل الثاني فحرّكناه بأقرب الحركات إليه وهي الضمة التي على الحرف قبله ، فحرّكناه بها وأدغمنا ما قبله فيه فهو مجزوم تقديرا ، وهذه الحركة في الحقيقة حركة اتباع لا حركة إعراب بخلافها في الوجهين السابقين قبل هذا فإنها حركة إعراب . واعلم أنه متى أدغم هذا النوع : فإمّا أن تكون فاؤه مضمومة أو مفتوحة أو مكسورة ، فإن كانت مضمومة كالآية الكريمة وقولهم « مدّ » ففيه ثلاثة أوجه حالة الإدغام : الضمّ للاتباع ، والفتح للتخفيف ، والكسر على أصل التقاء الساكنين فتقول : مدّ ومدّ ومدّ ، وردّ وردّ وردّ . وينشدون على ذلك قول جرير : 1422 - فغضّ الطّرف إنّك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا « 3 » بضم الضاد وفتحها وكسرها على ما ذكرته لك ، وسيأتي أنّ الآية قرىء فيها بالأوجه الثلاثة . وإن كانت مفتوحة نحو : عضّ ، أو مكسورة نحو : فرّ ، كان في اللام وجهان : الفتح والكسر ، إذ لا وجه للضم ، لكن لك في نحو : « فرّ » أن تقول : الكسر من وجهين : إمّا الاتباع وإمّا التقاء الساكنين ، وكذلك لك في الفتح نحو : « عضّ » وجهان أيضا : إمّا الاتباع وإمّا التخفيف ، هذا كلّه إذا لم يتصل بالفعل ضمير غائب ، فأمّا إذا اتصل به ضمير غائب نحو : « ردّه » ففيه تفصيل ولغات يكثر القول فيها ولا يليق التعرّض لذلك في هذا النوع . وقرأ عاصم فيما رواه عنه المفضّل بضم الضاد وتشديد الراء مفتوحة على ما ذكرت لك من التخفيف ، وهي عندهم أوجه من ضم الراء . وقرأ الضحاك بن مزاحم : « لا يضرّكم » بضمّ الضاد وتشديد الراء مكسورة على ما ذكرته لك من التقاء الساكنين ، وكأنّ ابن عطية لم يحفظها قراءة فإنه قال : « وأمّا الكسر فلا أعرفها قراءة » . وعبارة الزجاج في ذلك متجوّز فيها إذ يظهر من درج كلامه أنها قراءة . قلت : قد بيّنت أنها قراءة كما قال الزجاج وللّه الحمد .

--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 95 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر البيت في ديوانه ( 75 ) ، الكتاب 2 / 160 .