أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

195

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فيتحد لفظ « آلى » بمعنى قصّر و « آلى » بمعنى حلف ، وإن كان الفرق بينهما ثابتا من حيث المادة ؛ لأنّ لامه من معنى الحلف ياء ، ومن معنى التقصير واو . وقال الراغب : « وألوت فلانا أي : أوليته تقصيرا نحو : كسبته أي : أوليته كسبا وما ألوته جهدا أي : ما أوليته تقصيرا بحسب الجهد ، فقولك : « جهدا » تمييز . وقوله : لا يألونكم خبالا » منه ، أي : لا يقصّرون في طلب الخبال . وقال تعالى : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ « 1 » قيل : هو يفتعل من ألوت ، وقيل : هو من آليت أي : حلفت . والخبال : الفساد ، وأصله ما يلحق الحيوان من مرض وفتور فيورثه فسادا واضطرابا ، يقال منه : خبله وخبّله بالتخفيف والتشديد فهو خابل ومخبل ومخبول ومخبّل . ويقال : خبل وخبل وخبال . وفي الحديث : « من شرب الخمر ثلاثا كان حقا على اللّه أن يسقيه من طينة الخبال » « 2 » وقال زهير بن أبي سلمى : 1407 - هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا * وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا « 3 » والمعنى في هذا البيت : أنهم إذا طلب منهم إفساد شيء من إبلهم أفسدوه ، وهذا كناية عن كرمهم . قوله : وَدُّوا ما عَنِتُّمْ في هذه الجملة ثلاثة أوجه : أوجهها : أن تكون مستأنفة كما هو الظاهر فيما قبلها . والثاني : أنها نعت ل « بِطانَةً » فمحلّها نصب . والثالث : أنها حال من الضمير في « يَأْلُونَكُمْ » . و « ما » مصدرية ، و « عَنِتُّمْ » صلتها ، وهي وصلتها مفعول الودادة أي : عنتكم أي : مقتكم . وقد تقدّم اشتقاق هذه اللفظة في البقرة عند « قوله » : لَأَعْنَتَكُمْ « 4 » . وقال الراغب هنا : « المعاندة والمعانتة يتقاربان ، لكنّ المعاندة هي الممانعة ، والمعانتة أن يتحرّى مع الممانعة المشقّة . قوله : « قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ » هذه الجملة كالتي قبلها ، وقرأ عبد اللّه : « بدا » من غير تاء ، لأنّ الفاعل مؤنث مجازي ولأنّها في معنى البغض . والبغضاء مصدر كالسرّاء والضّرّاء . يقال منه : بغض الرجل فهو بغيض كظرف فهو ظريف . وقوله : مِنْ أَفْواهِهِمْ متعلّق ب « بَدَتِ » « ومن » لابتداء الغاية . وجوّز أبو البقاء أن تكون حالا أي : خارجة من أفواههم . والأفواه : جمع فم ، وأصله : فوه ، فلامه هاء ، يدلّ على ذلك جمعه على « أفواه » ، وتصغيره على « فويه » ، والنسب إليه على فوهيّ ، وهل وزنه فعل بسكون العين أو فعل بفتحها ؟ خلاف للنحويين ، وإذا عرفت ذلك فاعلم أنهم حذفوا لامه تخفيفا فبقي آخره حرف علة فأبدلوها ميما لقربها منها لأنهما من الشّفة ، وفي الميم هويّ في الفم يضارع المدّ الذي في الواو ، هذا كلّه إذا أفردوه عن الإضافة ، فإن أضافوه لم يبدلوا حرف العلة كقوله : 1408 - فوه كشقّ العصا لأيا تبيّنه * . . . « 5 »

--> ( 1 ) سورة النور ، آية ( 22 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم بنحوه 3 / 1587 ، كتاب الأشربة ( 72 - 2002 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) انظر البحر المحيط 3 / 39 . ( 5 ) صدر بيت عجزه : . . . * أسك ما يسمع الأصوات مصلوم انظر ديوانه ( 59 ) ، المفضليات .