أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
177
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ هو نهي في الصورة عن موتهم إلّا على هذه الحالة ، والمراد دوامهم على الإسلام ، وذلك أن الموت لا بدّ منه ، فكأنه قيل : دوموا على الإسلام إلى الموت ، وقريب منه ما حكى سيبويه « 1 » : « لا أرينّك ههنا » أي لا تكن بالحضرة فتقع عليك رؤيتي . والجملة من قوله : « وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » في محل نصب على الحال والاستثناء مفرغ من الأحوال العامة أي : لا تموتنّ على حالة من سائر الأحوال إلا على هذه الحال الحسنة ، وجاء بها جملة اسمية لأنها أبلغ وآكد ، إذ فيها ضمير متكرر ، ولو قيل : « إلّا مسلمين » لم يفد هذا التأكيد ، وتقدّم إيضاح هذا التركيب في البقرة عند قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ « 2 » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 103 ] وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 103 ) قوله تعالى : بِحَبْلِ : الحبل في الأصل هو السبب ، وكلّ ما وصلك إلى شيء فهو حبل ، وأصله في الأجرام واستعماله في المعاني من باب المجاز ، ويجوز أن يكون حينئذ من باب الاستعارة ، ويجوز أن يكون من باب التمثيل ، ومن كلام الأنصار رضي اللّه عنهم : « يا رسول اللّه إنّ بيننا وبين القوم حبالا ونحن قاطعوها » - يعنون العهود والحلف . قال الأعشى : 1377 - وإذا تجوّزها حبال قبيلة * أخذت من الأخرى إليك حبالها « 3 » يعني العهود ، قيل : والسبب فيه أنّ الرجل كان إذا سافر خاف فيأخذ من القبيلة عهدا إلى أخرى ، ويعطى سهما أو حبلا يكون معه كالعلامة ، فسمّي العهد حبلا لذلك ، وهذا معنى غير طائل ، بل سمّي العهد حبلا للتوصّل به إلى الغرض . وقال آخر : 1378 - ما زلت معتصما بحبل منكم * . . . « 4 » والمراد بالحبل هنا القرآن ، وفي الحديث الطويل : « هو حبل اللّه المتين » « 5 » . وقوله : جَمِيعاً حال من فاعل اعْتَصِمُوا و بِحَبْلِ اللَّهِ متعلّق به . قوله : وَلا تَفَرَّقُوا قرأه البزي بتشديد التاء وصلا ، وقد تقدّم توجيهه في البقرة عند قوله : وَلا تَيَمَّمُوا « 6 » ، والباقون بتخفيفها على الحذف . وقوله : نِعْمَتَ اللَّهِ مصدر مضاف لفاعله إذ هو المنعم ، و « عَلَيْكُمْ » يجوز أن يكون متعلقا بنفس « نِعْمَتَ » لأنّ هذه
--> ( 1 ) انظر الكتاب 1 / 453 . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 132 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 65 ) ، من قصيدة يمدح بها قيس بن معد يكرب ، تأويل مشكل القرآن ( 465 ) ، البحر ( 5 / 188 ) ، وقال المرصفي في رغبة الآمل ( 4 / 52 ) : « تجوزها » تسوغها قطع الطريق المخوف . الحبال : العهد والمواثيق . ( 4 ) صدر بيت عجزه : . . . * من حل ساحتكم بأسباب نجا انظر اللسان ( حبل ) . ( 5 ) أخرجه الترمذي 5 / 158 ، كتاب فضائل القرآن ( 2906 ) ، والحاكم في المستدرك 4 / 440 ، والبغوي في شرح السنة 4 / 438 ، وذكره السيوطي في الدر المنثور 2 / 275 . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 267 ) .