أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
152
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بالنبوة من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنّا أهل كتاب ومنا كان النبيون » وهذا الذي قاله بعيد جدا ، كيف يسمّيهم أنبياء تهكما بهم ، ولم يكن ثم قرينة تبيّن ذلك ؟ قوله : لَما آتَيْتُكُمْ العامة « لَما » بفتح اللام وتخفيف الميم ، وحمزة وحده على كسر اللام ، وسعيد بن جبير والحسن : لمّا بالفتح والتشديد . فأمّا قراءة العامة ففيها خمسة أوجه : أحدها : أن تكون « ما » موصولة بمعنى الذي وهي مفعولة بفعل محذوف ، ذلك الفعل هو جواب القسم ، والتقدير : واللّه لتبلّغنّ ما آتيناكم من كتاب ، قال هذا القائل : لأنّ لام القسم إنما تقع على الفعل ، فلما دلّت هذه اللام على الفعل حذف ، ثم قال تعالى : « ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم » قال : « وعلى هذا التقدير يستقيم النظم » . قلت : « وهذا الوجه لا ينبغي أن يجوز البتة ، إذ يمتنع أن تقول في نظيره من الكلام : « واللّه لزيدا » تريد : واللّه لتضربنّ زيدا . الوجه الثاني : - وهو قول أبي عليّ وغيره - أن تكون اللام في « لَما » جواب قوله : « مِيثاقَ النَّبِيِّينَ » لأنه جار مجرى القسم ، فهي لام الابتداء المتلقّى بها القسم ، و « ما » مبتدأة موصولة و « آتَيْتُكُمْ » صلتها ، والعائد محذوف تقديره : آتيناكموه ، فحذف لاستكمال شروطه ، و « مِنْ كِتابٍ » حال : إمّا من الموصول وإمّا من عائده ، وقوله : « ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ » عطف على الصلة ، وحينئذ فلا بدّ من رابط يربط هذه الجملة بما قبلها فإنّ المعطوف على الصلة صلة ، واختلفوا في ذلك : فذهب بعضهم إلى أنه محذوف تقديره : « ثم جاءكم رسول به » فحذف « به » لطول الكلام ولدلالة المعنى عليه ، وهذا لا يجوز ؛ لأنه متى جرّ العائد لم يحذف إلا بشروط تقدّمت ، وهي مفقودة هنا ، وزعم هؤلاء أن هذا مذهب سيبويه ، وفيه ما قد عرفته ، ومنهم من قال : الربط حصل هنا بالظاهر ، لأن هذا الظاهر وهو قوله : « لِما مَعَكُمْ » صادق على قوله : « لما آتيناكم » فهو نظير : « أبو سعيد الذي رويت عن الخدريّ ، والحجّاج الذي رأيت ابن يوسف » ، وقال : 1354 - فيا ربّ ليلى أنت في كلّ موطن * وأنت الّذي في رحمة اللّه أطمع « 1 » يريدون : عنه ورأيته في رحمته ، وقد وقع ذلك في المبتدأ والخبر نحو قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا « 2 » وهذا رأي أبي الحسن وتقدّم فيه بحث . ومنهم من قال : إنّ العائد يكون ضمير الاستقرار العامل في « مع » ، و « لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ » جواب قسم مقدر ، وهذا القسم المقدّر وجوابه خبر للمبتدأ الذي هو « لما آتيناكم » ، والهاء في به تعود على المبتدأ ولا تعود على « رَسُولٌ » ، لئلا يلزم خلوّ الجملة الواقعة خبرا من رابط يربطها بالمبتدأ . الثالث : كما تقدم إلا أن اللام في « لَما » لام التوطئة ، لأنّ أخذ الميثاق في معنى الاستخلاف ، وفي « لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ » لام جواب القسم ، هذا كلام الزمخشري ثم قال : « وما » تحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط ، و « لَتُؤْمِنُنَّ » سادّ مسدّ جواب القسم والشرط جميعا ، وأن تكون بمعنى « الذي » . وهذا الذي قاله فيه نظر من حيث إنّ لام التوطئة إنما تكون مع أدوات الشرط ، وتأتي غالبا مع « إن » ، أما مع الموصول فلا ، فلو جوّز في اللام أن تكون موطئة وأن تكون للابتداء ، ثم ذكر في « ما » الوجهين لحملنا كلّ واحد على ما يليق به .
--> ( 1 ) البيت لمجنون بن عامر انظر المغني ( 230 ) ، الهمع 1 / 87 ، الأشموني 1 / 146 ، الدرر 1 / 64 . ( 2 ) سورة الكهف ، آية ( 30 )