أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
145
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والتضعيف فيه للتكثير والمبالغة لا للتعدية ، إذ لو كان لها لتعدّى لآخر لأنه متعدّ لواحد قبل ذلك ، ونسبه الزمخشري لأهل المدينة وهو كما قال ، فإنّ هؤلاء رؤساء قراء المدينة . وقرأ حميد : « يلون » بفتح الياء وضم اللام بعدها واو مفردة ساكنة ، ونسبها الزمخشري لمجاهد وابن كثير ، ووجّهها هو بأن الأصل : « يَلْوُونَ » كقراءة العامة ، ثم أبدلت الواو المضمومة همزة ، وهو بدل قياسيّ كأجوه وأقّتت ، ثم خفّفت الهمزة بإلقاء حركتها على الساكن قبلها وهو اللام وحذفت الهمزة فبقي وزن يلون : يفون بحذف اللام والعين ، وذلك أن اللام وهي الياء حذفت لالتقاء الساكنين لأن الأصل : « يلويون » كيضربون فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان : الياء وواو الضمير فحذفت الياء لالتقائهما ، ثم حذفت الواو التي هي عين الكلمة بما قدمته لك . وألسنتهم : جمع لسان وهذا على لغة من ذكّر ، وأما على لغة من يؤنثه فيقول : هذه لسان فإنه يجمع على ألسن نحو : ذراع وأذرع وكراع وأكرع ، وقال الفراء : « لم نسمعه من العرب إلا مذكرا » ويعبّر باللسان عن الكلام لأنه ينشأ منه وفيه ، والمراد به ذلك أيضا التذكير والتأنيث . والّليّ : الفتل ، يقال : لويت الثوب ولويت عنقه أي : فتلته والمصدر الليّ والليّان ، قال : 1351 - قد كنت داينت بها حسّانا * مخافة الإفلاس واللّيّانا « 1 » والأصل : لوي ولويان ، فأعلّ وهو واضح بما تقدّم في « ميّت » وبابه ، ثم يطلق الّليّ على الإراغة والمراوغة في الحجج والخصومة تشبيها للمعاني بالأجرام . و « بِالْكِتابِ » متعلّق بيلوون وهو تعلّق واضح ، وجعله أبو البقاء حالا من الألسنة قال : « تقديره ملتبسة بالكتاب أو ناطقة بالكتاب » ، والضمير في « لِتَحْسَبُوهُ » يجوز أن يعود على ما دلّ عليه ما تقدم من ذكر الليّ والتحريف أي : لتحسبوا المحرّف من التوراة ، ويجوز أن يعود على مضاف محذوف دلّ عليه المعنى والأصل : يلوون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا شبه الكتاب الذي حرفوه من الكتاب ، ويكون كقوله تعالى : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ « 2 » ثم قال : « يغشاه » والأصل : أو كذي ظلمات ، فالضمير في « يغشاه » يعود على ذي المحذوف . و « مِنَ الْكِتابِ » هو المفعول الثاني للحسبان . وقرىء « ليحسبوه » بياء الغيبة والمراد بهم المسلمون أيضا ، كما أريد بالمخاطبين في قراءة العامة ، والمعنى : ليحسب المسلمون أنّ المحرّف من التوراة . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 79 ] ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ( 79 ) قوله تعالى : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ : « أَنْ يُؤْتِيَهُ » اسم كان و « لِبَشَرٍ » خبرها . وقوله : « ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ » عطف
--> ( 1 ) البيت لرؤبة انظر الكتاب 1 / 98 ، ابن الشجري 1 / 228 ، الدرر 2 / 203 ، شرح ابن عقيل 2 / 105 . قوله « داينت بها » أخذتها بدلا عن دين لي عنده . الليان : المطل واللي والتسويف في قضاء الدين هنا والمعنى يقول قد كنت أخذت هذه الأمة من حسان بدلا عن دين لي عنده ، لمخافتي أن يفلس ، أو يمطلني فلا يؤديني حقي . ( 2 ) سورة النور ، آية ( 40 ) .