أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

14

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1167 - كلوا في بعض بطنكم تعفّوا * . . . « 1 » وقوله : 1168 - . . . * وأمّا جلدها فصليب « 2 » وقال الأخفش : « وحّد « أُمُّ الْكِتابِ » بالحكاية على تقدير الجواب كأنه قيل : ما أمّ الكتاب ؟ » فقال : هنّ أمّ الكتاب ، كما يقال : من نظير زيد ؟ فيقول قوم : « نحن نظيره » كأنهم حكوا ذلك اللفظ ، وهذا على قولهم : « دعني من تمرتان » أي : « ممّا يقال له تمرتان » . قال ابن الأنباري : « وهذا بعيد من الصواب في الآية ، لأن الإضمار لم يقم عليه دليل ، ولم تدع إليه حاجة » وقيل : لأنه بمعنى أصل الكتاب والأصل يوحّد . قوله : وَأُخَرُ نسق على « آياتٌ » ، و « مُتَشابِهاتٌ » نعت لأخر ، وفي الحقيقة « أُخَرُ » نعت لمحذوف تقديره : وآيات أخر متشابهات . قال أبو البقاء : « فإن قيل : واحدة « مُتَشابِهاتٌ » متشابهة ، وواحدة « أُخَرُ » أخرى ، والواحدة هنا لا يصحّ أن توصف بهذا الواحد فلا يقال ، أخرى متشابهة إلا أن يكون بعض الواحدة يشبه بعضا ، وليس المعنى على ذلك وإنما المعنى أنّ كل آية تشبه آية أخرى ، فكيف صحّ وصف هذا الجمع بهذا الجمع ، ولم يصحّ وصف مفرده بمفرده ؟ قيل : التشابه لا يكون إلا بين اثنين فصاعدا ، فإذا اجتمعت الأشياء المشابهة كان كل واحد منها مشابها للآخر ، فلمّا لم يصحّ التشابه إلا في حالة الاجتماع وصف الجمع بالجمع لأنّ كلّ واحد منها يشابه باقيها ، فأمّا الواحد فلا يصحّ فيه هذا المعنى ، ونظيره قوله : فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ « 3 » فثنّى الضمير وإن كان الواحد لا يقتتل . قلت : يعني أنه ليس من شرط صحة الوصف في التثنية أو الجمع صحة انبساط مفردات الأوصاف على مفردات الموصوفات ، وإن كان الأصل ذلك ، كما أنه لا يشترط في إسناد الفعل إلى المثنّى والمجموع صحة إسناده إلى كلّ واحد على حدته . وقريب من ذلك قوله : « حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ » « 4 » قيل : ليس لحافين مفرد لأنه لو قيل : « حافّ » لم يصحّ ، إذ لا يتحقق الحفوف في واحد فقط ، وإنما يتحقق بجمع يحيطون بذلك الشيء المحفوف ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء اللّه تعالى في موضعه . قوله : زَيْغٌ يجوز أن يكون مرفوعا بالفاعلية لأنّ الجارّ قبله صلة لموصول ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره الجارّ قبله . والزّيغ : قيل : الميل ، وقال بعضهم : هو أخصّ من مطلق الميل ، فإنّ الزيغ لا يقال إلّا لما كان من حق إلى باطل . قال الراغب « 5 » « الزّيغ : الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين ، وزاغ وزال ومال تتقارب ، لكن « زاغ » لا يقال إلا فيما كان عن حق إلى باطل » انتهى . يقال : زاغ يزيغ زيغا وزيغوغة وزيغانا وزيوغا . قال الفراء : « والعرب تقول في عامة ذوات الياء ممّا يشبه زغت مثل : سرت وصرت وطرت : سيرورة وصيرورة وطيرورة ، وحدت حيدودة ، وملت ميلولة ، لا أحصي ذلك كثرة ، فأما ذوات الواو مثل : قلت ورضيت فإنهم لم يقولوا ذلك إلا في أربعة ألفاظ : الكينونة والدّيمومة من دام ، والهيعوعة من الهواع « 6 » والسّيدودة من سدت » . ثم ذكر كلاما كثيرا غير متعلق بما نحن فيه ، وقد تقدّم الكلام على

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة القصص ، آية ( 15 ) . ( 4 ) سورة الزمر ، آية ( 75 ) . ( 5 ) المفردات ( 318 ) . ( 6 ) الهواع : ذو القعدة . اللسان : هوع 4721 .