أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

127

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

مراتب ، المرتبة الأولى للكوفيين ، وابن عامر والبزي عن ابن كثير : « ها أَنْتُمْ » بألف بعد الهاء وهمزة مخففة بعدها . المرتبة الثانية لأبي عمرو وقالون عن نافع : بألف بعد الهاء وهمزة مسهلة بين بين بعدها . المرتبة الثالثة لورش وله وجهان : أحدهما : بهمزة مسهلة بين بين بعد الهاء دون ألف بينهما . الثاني : بألف صريحة بعد الهاء من غير همز بالكلية . المرتبة الرابعة : لقنبل بهمزة محققة بعد الهاء دون ألف . وأمّا المعنى : فقال قتادة والسدي والربيع وجماعة كثيرة : إن الذي لهم به علم هو دينهم الذي وجدوه في كتبهم وثبتت صحته لديهم ، والذي ليس لهم به علم هو شريعة إبراهيم وما كان عليه ممّا ليس في كتبهم ، ولا جاءت به إليهم رسلهم ، ولا كانوا معاصريه فيعلمون دينه ، فجدالهم فيه مجرد عناد ومكابرة . وقيل : الذي لهم به علم أمر نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه موجود عندهم في كتبهم بنعته ، والذي ليس لهم به علم هو أمر إبراهيم عليه السّلام . وقال الزمخشري : « يعني ها أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى ، وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم فيما لكم به علم ممّا نطق به التوراة والإنجيل ، فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علم ولا نطق به كتابكم من دين إبراهيم ؟ » . واختلف الناس في هذه الهاء فمنهم من قال : إنها ها التي للتنبيه الداخلة على أسماء الإشارة ، وقد كثر الفصل بينها وبين أسماء الإشارة بالضمائر المرفوعة المنفصلة نحو : ها أنت ذا قائما ، وها نحن وها هم هؤلاء قائمون ، وقد تعاد مع الإشارة بعد دخولها على الضمائر توكيدا كهذه الآية ، ويقلّ الفصل بغير ذلك كقوله : 1328 - تعلّمن هالعمر اللّه ذا قسما * فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك « 1 » وقال النابغة : 1329 - ها إنّ تا عذرة إن لا تكن نفعت * فإنّ صاحبها قد تاه في البلد « 2 » ومنهم من قال : إنها مبدلة من همزة استفهام ، والأصل : أأنتم ، وهو استفهام إنكار ، وقد كثر إبدال الهمزة هاء وإن لم ينقس ، قالوا : هرقت وهرحت وهبرت ، وهذا قول أبي عمرو بن العلاء وأبي الحسن الأخفش وجماعة ، واستحسنه أبو جعفر ، وفيه نظر من حيث إنه لم يثبت ذلك في همزة الاستفهام ، لم يسمع منهم : هتضرب زيدا بمعنى : أتضرب زيدا . وإذا لم يثبت ذلك فكيف يحمل هذا عليه ؟ هذا معنى ما اعترض به الشيخ على هؤلاء الأئمة ، وإذا ثبت إبدال الهمزة هاء هان الأمر ، ولا نظر إلى كونها همزة استفهام ولا غيرها . وهذا - أعني كونها همزة استفهام أبدلت هاء - ظاهر على قراءة قنبل وورش لأنهما لا يدخلان ألفا بين الهاء وهمزة « أنتم » لأنّ إدخال الألف إنما كان لاستثقال توالي همزتين ، فلمّا أبدلت الهمزة هاء زال الثقل لفظا ، فلم يحتج إلى ألف فاصلة ، وقد جاء إبدال همزة الاستفهام هاء قال : 1330 - وأتى صواحبها يقلن : هذا الّذي * منح المودّة غيرنا وجفانا « 3 »

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر ديوانه ( 26 ) ، الخزانة 2 / 478 ، ابن يعيش 8 / 113 . ( 3 ) البيت نسبه ابن منظور لجميل وليس في ديوانه ، انظر اللسان ( ذا ) ابن يعيش 10 / 42 ، المغني ( 384 ) ، الممتع ( 400 ) .