أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

105

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

إذ المراد الاختراع فإنه مختص بالباري تعالى . وقرأ الزهري : « كهية » بنقل حركة الهمزة إلى الياء وهي فصيحة . وقرأ أبو جعفر : كهيئة الطائر . وقوله : فَأَنْفُخُ فِيهِ في هذا الضمير ستة أوجه : أحدها : أنه عائد على الكاف ، لأنها اسم عند من يرى ذلك أي : أنفخ في مثل هيئة الطير . الثاني : أنه عائد على « هيئة » لأنها في معنى الشيء المهيّأ ، فلذلك عاد الضمير عليها مذكّرا ، وإن كانت مؤنثة ، اعتبارا بمعناها دون لفظها ، ونظيره قوله تعالى : وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ « 1 » ثم قال : « فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ » فأعاد الضمير في : « مِنْهُ » على القسمة لمّا كانت بمعنى المقسوم . الثالث : أنه عائد على ذلك المفعول المحذوف أي : فأنفخ في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير . الرابع : أنه عائد على ما وقعت الدلالة عليه في اللفظ وهو « أَنِّي أَخْلُقُ » ويكون الخلق بمنزلة المخلوق . الخامس : أنه عائد على ما دلّت عليه الكاف من معنى المثل ، لأنّ المعنى : أخلق من الطين مثل هيئة الطير ، وتكون الكاف في موضع نصب على أنه صفة للمصدر المراد تقديره : أني أخلق لكم خلقا مثل هيئة الطير ، قاله الفارسي وقد تقدّم الكلام معه في ذلك . السادس : أنه عائد على الطين قاله أبو البقاء . وهذا الوجه قد أفسده الواحدي فإنه قال : « ولا يجوز أن تعود الكناية على الطين لأنّ النفخ إنما يكون في طين مخصوص ، وهو ما كان مهيّأ منه ، والطين المتقدّم ذكره عام فلا تعود إليه الكناية ، ألا ترى أنه لا ينفخ جميع الطين ، وفي هذا الردّ نظر ، إذ لقائل أن يقول : لا نسلّم عموم الطين المتقدّم ، بل المراد بعضه ، ولذلك أدخل عليه « من » التي تقتضي التبعيض ، وإذا صار المعنى : « أني أخلق بعض الطين » عاد الضمير عليه من غير إشكال ، ولكن الواحدي جعل « مِنْ » في « مِنَ الطِّينِ » لابتداء الغاية وهو الظاهر . قال الشيخ « 2 » : « وقد قرأ بعض القراء : « فأنفخها » أعاد الضمير على الهيئة المحذوفة ، إذ يكون التقدير : هيئة كهيئة الطير ، أو على الكاف على المعنى ، إذ هي بمعنى : مماثلة هيئة الطير ، فيكون التأنيث هنا كما هو في آية المائدة في قوله : « فَتَنْفُخُ فِيها » فتكون هذه القراءة قد حذف حرف الجرّ منها كقوله : 1303 - ما شقّ جيب ولا قامتك نائحة * ولا بكتك جياد عند إسلاب وقول النابغة : 1304 - . . . * كالهبرقيّ تنحّى ينفخ الفحما « 3 » يريد : ولا قامت عليك ، وينفخ في الفحم ، قال : « وهي قراءة شاذة نقلها الفراء » ، وعجبت منه كيف لم يعزها ،

--> ( 1 ) سورة النساء ، آية ( 8 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 466 . ( 3 ) عجز بيت انظر ديوانه ( 110 ) ، وصدره : مولي الريح قرنيه وجبهته * . . .