أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
102
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الخامس : أنّ الرسول فيه معنى النطق ، فكأنه قيل : وناطقا بأني قد جئتكم . ويوضّح هذين الوجهين الأخيرين ما قاله الزمخشري ، قال رحمه اللّه : « فإن قلت : علام تحمل « وَرَسُولًا وَمُصَدِّقاً » من المنصوبات المتقدمة ، وقوله : « أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ » و « لِما بَيْنَ يَدَيَّ » يأبى حمله عليها ؟ قلت : هو من المضايق ، وفيه وجهان : أحدهما : أن تضمر له « وأرسلت » على إرادة القول ، تقديره : ويعلّمه الكتاب والحكمة ويقول : أرسلت رسولا بأني قد جئتكم ومصدّقا لما بين يديّ . والثاني : أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق ، فكأنه قيل : « وناطقا بأني قد جئتكم ومصدقا لما بين يديّ » انتهى . إنما احتاج إلى إضمار ذلك كلّه تصحيحا للمعنى واللفظ ، وذلك أنّ ما قبله من المنصوبات لا يصحّ عطفه عليه في الظاهر ؛ لأنّ الضمائر المتقدمة غيب ، والضميران المصاحبان لهذين المنصوبين للمتكلم ، فاحتاج إلى ذلك التقدير لتتناسب الضمائر . قال الشيخ « 1 » : « وهذا الوجه ضعيف ؛ إذ فيه إضمار شيئين : القول ومعموله الذي هو « أرسلت » ، والاستغناء عنهما باسم منصوب على الحال المؤكّدة ، إذ يفهم من قوله « وأرسلت أنه رسول فهي حال مؤكّدة » . واختار الشيخ الوجه الثالث قال : « إذ ليس فيه إلا إضمار فعل يدلّ عليه المعنى ، ويكون قوله : « أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ » معمولا لرسول أي : ناطقا بأني قد جئتكم على قراءة الجمهور . السادس : أن يكون حالا من مفعول « وَيُعَلِّمُهُ » وذلك على زيادة الواو ، كأنه قيل : ويعلّمه الكتاب حال كونه رسولا ، قاله الأخفش ، وهذا على أصل مذهبه من تجويزه زيادة الواو ، وهو مذهب مرجوح . وعلى الثاني في نصبه وجهان : أنه مفعول به عطفا على المفعول الثاني ليعلّمه أي : ويعلّمه الكتاب ورسالة أي : يعلمه الرسالة أيضا : والثاني : أنه مصدر في موضع الحال ، وفيه التأويلات المشهورة في : رجل عدل . وقرأ اليزيدي : « ورسول » بالجر ، وخرّجها الزمخشري على أنها منسوقة على قوله : « بِكَلِمَةٍ » أي : نبشّرك بكلمة وبرسول . وفيه بعد لكثرة الفصل بين المتعاطفين ولكن لا يظهر لهذه القراءة الشاذة غير هذا التخريج . وقوله : إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلّق بنفس « رَسُولًا » إذ فعله يتعدّى بإلى . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف على أنه صفة لرسولا ، فيكون منصوب المحلّ في قراءة الجمهور ، مجروره في قراءة اليزيدي . قوله : أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ قرأ العامة : « أَنِّي » بفتح الهمزة وفيها ثلاثة أوجه : أحدها : أنّ موضعها جر بعد إسقاط الخافض ، إذ الأصل : بأني ، ف « بأني » متعلّق برسولا ، وهذا مذهب
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 464 .