أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

94

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

و لِلْمُتَّقِينَ جار ومجرور متعلق ب هُدىً . وقيل : صفة لهدى فيتعلق بمحذوف ومحله حينئذ : إما الرفع أو النصب بحسب ما تقدم في موصوفه أي : هدى كائن أو كائنا للمتقين . والأحسن من هذه الوجوه المتقدمة كلها أن تكون كل جملة مستقلة بنفسها ف ألم جملة إن قيل : إنها خبر مبتدأ مضمر ، وذلك الكتاب جملة ، ولا ريب جملة ، وفيه هدى جملة ، وإنما ترك العاطف لشدة الوصل ، لأن كل جملة متعلقة بما قبلها أخذه بعنقها تعلقا ، لا يجوز معه الفصل بالعطف . قال الزمخشري ما معناه : فإن قلت : لم لم يتقدم الظرف على الريب كما قدم على « الغول » في قوله تعالى : لا فِيها غَوْلٌ « 1 » قلت : لأن تقديم الظرف ثم يشعر بأن غيرها فيه ما نفى عنها ، فالمعنى : ليس فيها غول كما في خمور الدنيا ، فلو قدم الظرف هنا لأفهم هذا المعنى ، وهو أن غيره من الكتب السماوية فيه ريب وليس ذلك مقصودا ، وكان هذا الذي ذكره أبو القاسم الزمخشري بناء منه على التقديم يفيد الاختصاص ، وكان المعنى أن خمرة الآخرة اختصت بنفي الغول عنها بخلاف غيرها ، وللمنازعة فيه مجال . وقد رام بعضهم « 2 » الرد عليه بطريق آخر ، وهو أن العرب قد وصفت أيضا خمر الدنيا بأنها لا تغتال العقول ، قال علقمة : 109 - تشفي الصّداع ولا يؤذيك صالبها * ولا يخالطها في الرّأس تدويم « 3 » وما أبعد هذا من الرد عليه إذ لا اعتبار بوصف هذا القائل . فإن قيل : قد وجد الريب من كثير من الناس في القرآن ، وقوله تعالى : لا رَيْبَ فِيهِ ينفي ذلك فالجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أن المنفي كونه متعلقا للريب بمعنى أن معه من الأدلة ما إن تأمله المنصف المحق لم يرتب فيه ، ولا اعتبار بريب من وجد منه الريب ، لأنه لم ينظر حق النظر فريبه غير معتد به . والثاني : أنه مخصوص ، والمعنى : لا ريب فيه عند المؤمنين . والثالث : أنه خبر معناه النهي أي لا ترتابوا فيه . والأول أحسن . و « المتقين » جمع متق ، وأصله متقيين بياءين ؛ الأولى : لام الكلمة ، والثانية : علامة الجمع ، فاستثقلت الكسرة على لام الكلمة وهي الياء الأولى فحذفت ، فالتقى ساكنان فحذف إحداهما وهي الأولى ، ومتق من اتقى يتقي وهو مفتعل من الوقاية ، إلا أنه يطرد في الواو والياء إذا كانا فاءين ووقعت بعد هما تاء الافتعال أن يبدلا تاء نحو : اتعد من الوعد ، واتسر من اليسر ، وفعل ذلك بالهمزة شاذ قالوا : اتزر واتكل من الإزار والأكل . ولا فتعل اثنا عشر معنى : الاتخاذ نحو : اتقى والتسبب نحو : اعتمل وفعل الفاعل بنفسه نحو : اضطرب والتخير نحو : انتخب ، والخطف نحو : استلب ، ومطاوعة أفعل نحو : انتصف مطاوع أنصف ، ومطاوعة فعل نحو : عممته فاعتم وموافقة تفاعل وتفعل واستفعل نحو : اجتور واقتسم واعتصر بمعنى تجاور وتقسم واستعصم ، وموافقة المجرد نحو : اقتدر بمعنى قدر ، والإغناء عنه نحو : استلم الحجر لم يلفظ له بمجرد .

--> ( 1 ) سورة الصافات ، آية ( 47 ) . ( 2 ) أبو حيان رحمه اللّه . انظر البحر المحيط ( 1 / 37 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 69 ) ، البحر ( 1 / 37 ) ، المفضليات ( 402 ) .