أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

688

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثالث : أن تكون الواو للحال ، والجملة بعدها نصب على الحال فهي على هذين الوجهين الأخيرين في محلّ نصب . قوله : فَإِنْ أَمِنَ قرأ أبيّ فيما نقله عنه الزمخشري « أومن » مبنيا للمفعول . قال الزمخشري : « أي أمنه الناس ووصفوا المديون بالأمانة والوفاء » . قلت : وعلام تنتصب » بعضا ؟ والظاهر نصبه بإسقاط الخافض على حذف مضاف أي : فإن أومن بعضكم على متاع بعض أو على دين بعض . قوله : فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ إذا وقف على « الذي » وابتدئ بما بعدها قيل : « اوتمن » بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة ، وذلك لأنّ أصله اأتمن ، مثل اقتدر بهمزتين : الأولى للوصل والثانية فاء الكلمة ، ووقعت الثانية ساكنة بعد أخرى مثلها مضمومة وجب قلب الثانية لمجانس حركة الأولى فقلت : أوتمن . فأمّا في الدّرج فتذهب همزة الوصل فتعود الهمزة إلى حالها لزوال موجب قلبها واوا بل تقلب ياء صريحة في الوصل في رواية ورش والسوسي . وروي عن عاصم : « الذي اوتمن » برفع الألف ويشير بالضمة إلى الهمزة ، قال ابن مجاهد : « وهذه الترجمة غلط » . وروى سليم عن حمزة إشمام الهمزة الضمّ ، وفي الإشارة والإشمام المذكورين نظر . وقرأ عاصم أيضا في شاذّه : « الّذتّمن » بإدغام الياء المبدلة من الهمزة في تاء الافتعال ، قال الزمخشري : « قياسا على « اتّسر » في الافتعال من اليسر ، وليس بصحيح لأنّ الياء منقلبة عن الهمزة فهي في حكم الهمزة ، واتّزر عاميّ ، وكذلك « ريّا » في « رؤيا » . قال الشيخ « 1 » : « وما ذكر الزمخشري فيه أنه ليس بصحيح وأن « اتّزر » عامّي - يعني أنه من إحداث العامة لا أصل له في اللغة - قد ذكره غيره أنّ بعضهم أبدل وأدغم : « اتّمن واتّزر » وأنّ ذلك لغة رديئة ، وكذلك « ريّا » في رؤيا ، فهذا التشبيه : إمّا أن يعود على قوله : « واتّزر عاميّ » فيكون إدغام « ريّا » عاميا ، وإمّا أن يعود إلى قوله « فليس بصحيح » أي : وكذلك إدغام « ريّا » ليس بصحيح ، وقد حكى الكسائي الإدغام في « ريّا » . وقوله : أَمانَتَهُ يجوز أن تكون الأمانة بمعنى الشيء المؤتمن عليه فينتصب انتصاب المفعول به بقوله : « فليؤدّ » ، ويجوز أن تكون مصدرا على أصلها ، وتكون على حذف مضاف ، أي : فليؤدّ دين أمانته . ولا جائز أن تكون منصوبة على مصدر ائتمن . والضمير في « أمانته » يحتمل أن يعود على صاحب الحقّ ، وأن يعود على الذي ائتمن . قوله : فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ في هذا الضمير وجهان : أحدهما : أنه ضمير الشأن والجملة بعده ، مفسّر له . والثاني : أنه ضمير « من » في قوله : « ومن يكتمها » وهذا هو الظاهر . وأمّا « آثم قلبه » ففيه أوجه : أظهرها : أنّ الضمير في « إنه » ضمير « من » و « آثم » خبر إنّ ، و « قلبه » فاعل بآثم ، نحو قولك : زيد إنه قائم أبوه ، وعمل اسم الفاعل هنا واضح لوجود شروط الإعمال . ولا يجيء هذا الوجه على القول بأنّ الضمير ضمير

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 356 ) .