أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
676
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ترضون » ، ولم يذكر أبو البقاء تضعيفه . وكان ينبغي أن يضعّفه بما ضعّف وجه الصفة ، وهو للفصل بينهما ، وضعّفه الشيخ « 1 » بأنّ البدل يؤذن أيضا بالاختصاص بالشهيدين الرجلين فيعرى عنه رجل وامرأتان . وفيه نظر ، لأنّ هذا من بدل البعض إن أخذنا « رجالكم » على العموم ، أو الكلّ من الكلّ من أخذناهم على الخصوص ، وعلى كلا التقديرين فلا ينفي ذلك عمّا عداه ، وأمّا في الوصف فمسلّم ، لأنّ لها مفهوما على المختار . الرابع : أن يتعلّق باستشهدوا ، أي : استشهدوا ممّن ترضون . قال الشيخ : « ويكون قيدا في الجميع ، ولذلك جاء متأخرا بعد الجميع » . قوله : مِنَ الشُّهَداءِ يجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من العائد المحذوف ، والتقدير : ممّن ترضونه حال كونه بعض الشهداء . ويجوز أن يكون بدلا من « من » بإعادة العامل ، كما تقدّم في نفس « ممّن ترضون » ، فيكون هذا بدلا من بدل على أحد القولين في كلّ منهما . قوله : أَنْ تَضِلَّ قرأ حمزة بكسر « إن » على أنّها شرطية ، والباقون بفتحها ، على أنّها المصدرية الناصبة ، فأمّا القراءة الأولى فجواب الشرط فيها قوله « فتذكّر » ، وذلك أنّ حمزة رحمه اللّه يقرأ : « فتذكّر » بتشديد الكاف ورفع الراء فصحّ أن تكون الفاء وما في حيّزها جوابا للشرط ، ورفع الفعل لأنه على إضمار مبتدأ أي : فهي تذكّر ، وعلى هذه القراءة فجملة الشرط والجزاء هل لها محلّ من الإعراب أم لا ؟ فقال ابن عطية : « إنّ محلّها الرفع صفة لامرأتين » ، وكان قد تقدّم أنّ قوله : « ممّن ترضون » صفة لقوله « فرجل وامرأتان » . قال الشيخ « 2 » : « فصار نظير « جاءني رجل وامرأتان عقلاء حبليان » وفي جواز مثل هذا التركيب نظر ، بل الذي تقتضيه الأقيسة تقديم « حبليان » على « عقلاء » ؛ وأمّا إذا قيل بأنّ « ممّن ترضون » بدل من رجالكم ، أو متعلّق باستشهدوا فيتعذّر جعله صفة لامرأتين للزوم الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي » . قلت : وابن عطية لم يبتدع هذا الإعراب ، بل سبقه إليه الواحدي فإنه قال : « وموضع الشرط وجوابه رفع بكونهما وصفا للمذكورين وهما « امرأتان » في قوله : « فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ » لأنّ الشرط والجزاء يوصف بهما ، كما يوصل بهما في قوله : الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ « 3 » . والظاهر أنّ هذه الجملة الشرطية مستأنفة للإخبار بهذا الحكم ، وهي جواب لسؤال مقدّر ، كأن قائلا قال : ما بال امرأتين جعلتا بمنزلة رجل ؟ فأجيب بهذه الجملة . وأمّا القراءة الثانية ف « أن » فيها مصدرية ناصبة للفعل بعدها ، والفتحة فيه حركة إعراب ، بخلافها في قراءة حمزة ، فإنها فتحة التقاء ساكنين ، إذ اللام الأولى ساكنة للإدغام في الثانية ، والثانية مسكّنة للجزم ، ولا يمكن إدغام في ساكن ، فحرّكنا الثانية بالفتحة هربا من التقائهما ، وكانت الحركة فتحة ، لأنها أخفّ الحركات ، وأن وما في حيّزها في محلّ نصب أو جرّ بعد حذف حرف الجر ، وهي لام العلة ، والتقدير : لأن تضلّ ، أو إرادة أن تضلّ . وفي متعلّق هذا الجارّ ثلاثة أوجه :
--> ( 1 ) انظر المصدر السابق . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 349 ) . ( 3 ) سورة الحجر ، آية ( 41 ) .