أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

673

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قلت : إن علّقته بأن يكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة المقيّدة ، ثم قيل له : فليكتب تلك الكتابة لا يعدل عنها ، وإن علّقته بقوله : « فليكتب » فقد نهى عن الامتناع بالكتابة على سبيل الإطلاق ، ثم أمر بها مقيدة » ويجوز أن تكون متعلقة بقوله : لا يأب ، وتكون الكاف حينئذ للتعليل . قال ابن عطية : « ويحتمل أن يكون « كما » متعلقا بما في قوله « ولا يأب » من المعنى أي : كما أنعم اللّه عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو ، وليفضل كما أفضل عليه » . قال الشيخ « 1 » : « وهو خلاف الظاهر ، وتكون الكاف في هذا القول للتعليل » قلت : وعلى القول بكونها متعلقة بقوله : « فليكتب » يجوز أن تكون للتعليل أيضا ، أي : فلأجل ما علّمه اللّه فليكتب . وقرأ العامة : « فليكتب » بتسكين اللام كقولهم : « كتف » في كتف ، إجراء للمنفصل مجرى المتصل . وقد قرأ الحسن بكسرها وهو الأصل . قوله : وَلْيُمْلِلِ أمر من أملّ يملّ ، فلمّا سكن الثاني جزما جرى فيه لغتان : الفكّ وهو لغة الحجاز ، والإدغام وهو لغة تميم ، وكذا إذا سكن وقفا نحو : أملل عليه وأملّ ، وهذا مطّرد في كلّ مضاعف وسيأتي تحقيق هذا إن شاء اللّه تعالى عند قراءتي : « من يرتدد ، ويرتدّ » في المائدة « 2 » وعلّة كلّ لغة . وقرئ هنا شاذا : « وليملّ » بالإدغام ، ويقال : أملّ يملّ إملالا ، وأملى يملي إملاء . ومن الأولى قوله : 1126 - ألا يا ديار الحيّ بالسّبعان * أملّ عليها بالبلى الملوان « 3 » ومن الثانية قوله تعالى : فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ « 4 » ، ويقال : أمللت وأمليت ، فقيل : هما لغتان ، وقيل : الياء بدل من أحد المثلين ، وأصل المادتين : الإعادة مرة بعد أخرى . و « الحقّ » يجوز أن يكون مبتدأ ، و « عليه » خبر مقدم ، ويجوز أن يكون فاعلا بالجارّ قبله لاعتماده على الموصول ، والموصول هو فاعل « يملل » ومفعوله محذوف أي : وليملل الديّان الكاتب ما عليه من الحقّ ، فحذف المفعولين للعلم بهما . ويتعدّى ب « على » إلى أحدهما فيقال : أمللت عليه كذا ، ومنه الآية الكريمة . قوله : وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ يجوز في « منه » أن يكون متعلقا بيبخس ، و « من » لابتداء الغاية ، والضمير في « منه » للحقّ . والثاني : أنها متعلقة بمحذوف لأنها في الأصل صفة للنكرة ، فلمّا قدّمت على النكرة نصبت حالا . و شَيْئاً : إمّا مفعول به وإمّا مصدر . والبخس : النّقص ، يقال منه : بخس زيد عمرا حقّه يبخسه بخسا ، وأصله من : بخست عينه ، فاستعير منه بخس الحق ، كما قالوا : « عورت حقّه » استعارة من عور العين . ويقال : بخصته بالصاد . والتباخس في البيع : التناقص ، لأنّ كلّ واحد من المتبايعين ينقص الآخر حقّه . قوله : أَنْ يُمِلَّ هُوَ أن وما في حيّزها في محلّ نصب مفعولا به ، أي : لا يستطيع الإملال ، و « هو » تأكيد

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 344 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 54 ) . ( 3 ) البيت لتميم بن مقبل انظر ديوانه ( 335 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 2 / ) ، الخزانة ( 3 / 275 ) ، الأشموني ( 4 / 309 ) ، أوضح المسالك ( 3 / 278 ) . ( 4 ) سورة الفرقان ، آية ( 5 ) .