أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
669
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ولكنّ الجمهور على ترجيح قراءة العامة وتخريجهم القراءة المشهورة . قال مكي : « وإن وقع ذو عسرة ، وهو سائغ في كلّ الناس ، ولو نصبت « ذا » على خبر « كان » لصار مخصوصا في ناس بأعيانهم ، فلهذه العلة أجمع القرّاء المشهورون على رفع « ذو » . وقد أوضح الواحدي هذا فقال : « أي : وإن وقع ذو عسرة ، والمعنى على هذا يصحّ ، وذلك أنه لو نصب فقيل : وإن كان ذا عسرة لكان المعنى : وإن كان المشتري ذا عسرة فنظرة ، فتكون النظرة مقصورة عليه ، وليس الأمر كذلك ، لأن المشتري وغيره إذا كان ذا عسرة فله النظرة إلى الميسرة » . وقال الشيخ « 1 » : « من نصب « ذا عسرة » أو قرأ « معسرا » فقيل : يختصّ بأهل الربا ، ومن رفع فهو عامّ في جميع من عليه دين ، قال : « وليس بلازم ، لأنّ الآية إنما سيقت في أهل الربا وفيهم نزلت » قلت : وهذا الجواب لا يجدي ، لأنه وإن كان السياق كذا فالحكم ليس خاصا بهم . والعسرة بمعنى العسر . قوله : فَنَظِرَةٌ الفاء جواب الشرط و « نظرة » خبر مبتدإ محذوف ، أي : فالأمر أو فالواجب ، أو مبتدأ خبره محذوف ، أي : فعليكم نظرة ، أو فاعل بفعل مضمر ، أي : فتجب نظرة . وقرأ العامة : « نظرة » بزنة « نبقة » . وقرأ الحسن ومجاهد وأبو رجاء : « فنظرة » بتسكين العين ، وهي لغة تميمة يقولون : « كبد » في كبد » و « كتف » في « كتف » . وقرأ عطاء « فناظرة » على فاعلة ، وقد خرّجها أبو إسحاق على أنها مصدر نحو : لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ « 2 » يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ « 3 » أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ « 4 » . وقال الزمخشري : « فناظره أي فصاحب الحق ناظره أي : منتظره ، أو صاحب نظرته على طريقة النسب ، كقولهم : « مكان عاشب وبأقل » بمعنى ذو عشب وذو بقل ، وعنه : « فناظره » على الأمر بمعنى : فسامحه بالنظرة وباشره بها » فنقله عنه القراءة الأولى يقتضي أن تكون قراءته « ناظر » اسم فاعل مضافا لضمير ذي العسرة بخلاف القراءة التي قدّمتها عن عطاء ، فإنها « ناظرة » بتاء التأنيث ، ولذلك خرّجها الزجاج على المصدر . وقرأ عبد اللّه : « فناظروه » أمرا للجماعة بالنظرة ، فهذه ست قراءات مشهورها واحدة . وهذه الجملة لفظها خبر ومعناها الأمر ، كقوله : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ « 5 » وقد تقدّم . والنظرة من الانتظار وهو الصبر والإمهال . قوله : إِلى مَيْسَرَةٍ قرأ نافع وحده : « ميسرة » بضم السين ، والباقون بفتحها . والفتح هو المشهور إذ مفعل ومفعلة بالفتح كثير ، ومفعل بالضم معدوم إلا عند الكسائي ، وما ورد منه ألفاظا ، وأما مفعلة فقالوا : قليل جدا وهي لغة الحجاز ، وقد جاءت منها ألفاظ نحو : المسرقة والمقبرة والمشربة ، والمسربة والمقدرة والمأدبة والمفخرة والمزرعة ومعولة ومكرمة ومألكة . وقد ردّ النحاس الضمّ تجرّؤا منه ، وقال : « لم تأت مفعلة إلا في حروف معدودة ليس هذه منها ، وأيضا فإنّ الهاء زائدة ولم يأت في كلامهم مفعل البتة » انتهى . وقال سيبويه : « ليس في الكلام مفعل » قال أبو علي : « يعني
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 340 ) . ( 2 ) سورة الواقعة ، آية ( 2 ) . ( 3 ) سورة غافر ، آية ( 19 ) . ( 4 ) سورة القيامة ، آية ( 25 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 233 ) .