أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
667
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
إعلامهم غيرهم » فقراءة المدّ أرجح لأنها أبلغ وآكد . وقال الطبري : « قراءة القصر أرجح لأنها تختصّ بهم ، وإنما أمروا على قراءة المدّ بإعلام غيرهم » . وقال الزمخشري : « وقرئ فآذنوا : فأعلموا بها غيركم ، وهو من الإذن وهو الاستماع ، لأنه من طرق العلم . وقرأ الحسن : « فأيقنوا » وهو دليل لقراءة العامة » يعني بالقصر ، لأنها نصّ في العلم لا في الإعلام . وقال ابن عطية : « والقراءتان عندي سواء ، لأنّ المخاطب محصور ، لأنه كلّ من لا يذر ما بقي من الربا . فإن قيل : « فأذنوا » فقد عمّهم الأمر ، وإن قيل « فآذنوا » بالمدّ فالمعنى : أعلموا أنفسكم أو بعضكم بعضا ، وكأنّ هذه القراءة تقتضي فسحا لهم في الارتياء والتثبّت أي : فأعلموا نفوسكم هذا ، ثم انظروا في الأرجح لكم : ترك الربا أو الحرب » . قوله : بِحَرْبٍ الباء في قراءة القصر . قال الشيخ : « للإلصاق ، تقول أذن بكذا أي : علم كذا ، ولذلك قال ابن عباس وغيره : المعنى : فاستيقنوا بحرب من اللّه » قلت : قد قرّرت أنّ فعل العلم وإن كان في الأصل متعديا بنفسه فإنّما يعدّى بالباء لما تضمّن من معنى الإحاطة فكذلك هذا ، ويظهر من كلام ابن عطية أنّ هذه الباء ظرفية فإنه قال : « هي عندي من الإذن ، وإذا أذن المرء في شيء فقد قرّره وبنى مع نفسه عليه ، فكأنه قيل لهم : قرّروا الحرب بينكم وبين اللّه ورسوله » فقوله : « وإذا أذن المرء في شيء » يقتضي تقديره : « فأذنوا في حرب ، ولا يتأتّى هذا إلا على قراءة القصر ، وأمّا الباء مع قراءة المدّ فهي معدّية للإعلام بالطريق الذي قدّرته . قوله : مِنَ اللَّهِ متعلّق بمحذوف لأنّه صفة للنكرة قبله . و « من » فيها وجهان ، أظهرهما : أنها لابتداء الغاية مجازا ، وفيه تهويل وتعظيم للحرب حيث هو وارد من جهة اللّه تعالى . والثاني : أنها تبعيضية أي : من حروب اللّه فهو على حذف مضاف . قال الزمخشري : « فإن قلت : هلّا قيل بحرب اللّه ورسوله قلت : هذا أبلغ ؛ لأنّ المعنى فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند اللّه ورسوله . انتهى . وإنما كان أبلغ لأنّه لو أضيف لاحتمل إضافة المصدر إلى فاعله وهو المقصود ، ولاحتمل الإضافة إلى مفعوله ، بمعنى أنكم تحاربون اللّه ورسوله ، والمعنى الأول أبلغ ، فلذلك ترك ما هو محتمل إلى ما هو نصّ في المراد . قوله : لا تَظْلِمُونَ فيها وجهان : أظهرهما : أنها لا محلّ لها لاستئنافها ، أخبرهم تعالى بذلك أي : لا تظلمون غيركم بأخذكم الزيادة منه ، ولا تظلمون أنتم أيضا بضياع رؤوس أموالكم . والثاني : أنها في محلّ نصب على الحال من الضمير في « لكم » والعامل ما تضمّنه الجارّ من الاستقرار لوقوعه خبرا في رأي الأخفش . وقرأ الجمهور الأول مبنيا للفاعل والثاني مبنيا للمفعول . وروى أبان والمفضّل عن عاصم بالعكس . ورجّح الفارسي قراءة العامة بأنها تناسب قوله : « وإن تبتم » في إسناد الفعلين إلى الفاعل ، فتظلمون مبنيا للفاعل أشكل بما قبله . وقال أبو البقاء : « يقرأ بتسمية الفاعل في الأول وترك التسمية في الثاني . ووجهه أنّ منعهم من الظلم أهمّ فبدئ به ، ويقرأ بالعكس ، والوجه فيه أنه قدّم ما تطمئنّ به نفوسهم من نفي الظلم عنهم ، ثم منعهم من الظلم ،