أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
657
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
و « سيما » مقلوبة قدّمت عينها على فائها لأنها مشتقة من الوسم فهي بمعنى السّمة أي العلامة ، فلما وقعت الواو بعد كسرة قلبت ياء ، فوزن سيما : عفلا ، كما يقال اضمحلّ ، وامضحلّ ، و « وخيمة » و « خامة » ، وله جاه ووجه ، أي : وجاهة . وفي الآية طباق في موضعين : أحدهما : « أحصروا » مع قوله : « ضربا في الأرض » . والثاني : قوله « أغنياء » مع قوله « للفقراء » نحو : أَضْحَكَ وَأَبْكى و أَماتَ وَأَحْيا « 1 » ويقال « سيميا » بياء بعد الميم ، وتمدّ كالكيمياء . وأنشد : 1091 - غلام رماه اللّه بالحسن يافعا * له سيمياء لا تشقّ على البصر « 2 » والباء تتعلّق ب « تعرفهم » ومعناها السببية ، أي : إنّ سبب معرفتك إياهم هي سيماهم . قوله : إِلْحافاً في نصبه ثلاثة أوجه : أحدها : نصبه على المصدر بفعل مقدّر أي : يلحفون إلحافا ، والجملة المقدرة حال من فاعل « يسألون » . والثاني : أن يكون مفعولا من أجله ، أي : لا يسألون لأجل الإلحاف . والثالث : أن يكون مصدرا في موضع الحال تقديره : لا يسألون ملحفين . واعلم أنّ العرب إذا نفت الحكم عن محكوم عليه فالأكثر في لسانهم نفي ذلك القيد ، نحو : « ما رأيت رجلا صالحا » ، الأكثر على أنك رأيت رجلا ولكن ليس بصالح ، ويجوز أنّك لم تر رجلا البتة لا صالحا ولا طالحا ، فقوله : « لا يسألون الناس إلحافا » المفهوم أنهم يسألون لكن لا بإلحاف ، ويجوز أن يكون المعنى : أنهم لا يسألون ولا يلحفون ، والمعنيان منقولان في التفسير . والأرجح الأول عندهم ، ومثله في المعنى : « ما تأتينا فتحدثنا » يجوز أنه يأتيهم ولا يحدّثهم ، ويجوز أنه لا يأتيهم ولا يحدّثهم ، انتفى السبب وهو الإتيان فانتفى المسبّب وهو الحديث . وقد شبّه الزجاج - رحمه اللّه تعالى - معنى هذه الآية الكريمة بمعنى بيت امرئ القيس وهو قوله : 1092 - على لاحب لا يهتدى بمناره * إذا سافه العود النّباطيّ جرجرا « 3 » قال الشيخ « 4 » : « تشبيه الزجاج إنما هو في مطلق انتفاء الشيئين أي : لا سؤال ولا إلحاق ، وكذلك هذا : لا منار . ولا هداية ، لا أنه مثله في خصوصية النفي ، إذ كان يلزم أن يكون المعنى : لا إلحاف فلا سؤال ، وليس تركيب الآية على هذا المعنى ، ولا يصحّ : لا إلحاف فلا سؤال لأنه لا يلزم من نفي الخاص نفي العام ، كما لزم من نفي المنار نفي
--> ( 1 ) سورة النجم ، آية ( 43 ) . ( 2 ) البيت لابن عنقاء الفزاري انظر أمالي القالي ( 1 / 237 ) ، الطبري ( 5 / 595 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 95 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 192 ) ، الخصائص ( 3 / 165 ) ، معاني الزجاج ( 1 / 357 ) ، اللسان « سوف » ، أمالي المرتضى ( 1 / 165 ) . ( 4 ) البحر المحيط ( 2 / 330 ) .