أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
631
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بل الظاهر الأولخ ، ولذلك أجيبت ببلى ، وعلى ما قال ابن عطية يعسر هذا المعنى . وقوله « بلى » جواب للجملة المنفيّة وإن صار معناها الإثبات اعتبارا باللفظ لا بالمعنى ، وهذا من قسم ما اعتبر فيه جانب اللفظ دون المعنى ، نحو : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ « 1 » وقد تقدّم تحقيقه . قوله : لِيَطْمَئِنَّ اللام لام كي ، فالفعل منصوب بعدها بإضمار « أن » ، وهو مبنيّ لاتصاله بنون التوكيد ، واللام متعلقة بمحذوف بعد « لكن » تقديره : ولكن سألتك كيفية الإحياء للاطمئنان ، ولا بدّ من تقدير حذف آخر قبل « لكن » حتى يصحّ معه الاستدراك والتقدير : بلى آمنت وما سألت غير مؤمن ، ولكن سألت ليطمئنّ قلبي . والطّمأنينة : السكون ، وهي مصدر « اطمأنّ » بوزن اقشعرّ ، وهي على غير قياس المصادر ، إذ قياس « اطمأنّ » أن يكون مصدره على الاطمئنان . واختلف في « اطمأنّ » هل هو مقلوب أم لا ؟ فمذهب سيبويه أنه مقلوب من « طأمن » ، فالفاء طاء ، والعين همزة ، واللام ميم ، فقدّمت اللام على العين فوزنه : افلعلّ بدليل قولهم : طامنته فتطامن . ومذهب الجرمي أنه غير مقلوب ، وكأنه يقول : إن اطمأنّ وطأمن مادتان مستقلتان ، وهو ظاهر كلام أبي البقاء ، فإنه قال : « والهمزة في » « ليطمئنّ » أصل ، ووزنه يفعللّ ، ولذلك جاء فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ « 2 » مثل : اقشعررتم » . انتهى . فوزنه على الأصل دون القلب ، وهذا غير بعيد ، ألا ترى أنهم في جبذ وجذب قالوا : ليس أحدهما مقلوبا من الآخر لاستواء المادّتين في الاستعمال . ولترجيح كلّ من المذهبين موضع غير هذا . قوله : مِنَ الطَّيْرِ في متعلّقه قولان : أحدهما : أنه محذوف لوقوع الجارّ صفة لأربعة ، تقديره : أربعة كائنة من الطير . والثاني : أنه متعلق بخذ ، أي : خذ من الطير . و « الطير » اسم جمع كركب وسفر . وقيل : بل هو جمع طائر نحو : تاجر وتجر ، وهذا مذهب أبي الحسن . وقيل : بل هو مخفف من « طيّر » بتشديد الياء كقولهم : « هين وميت » في : هيّن وميّت . قال أبو البقاء : « هو في الأصل مصدر طار يطير ، ثم سمّي به هذا الجنس » . فتحصّل فيه أربعة أقوال . وجاء جرّه ب « من » بعد العدد على أفصح الاستعمال ، إذا الأفصح في اسم الجمع في باب العدد أن يفصل بمن كهذه الآية ، ويجوز الإضافة كقوله تعالى : تِسْعَةُ رَهْطٍ « 3 » ، وقال : 1066 - ثلاثة أنفس وثلاث ذود * لقد جار الزّمان على عيالي « 4 » وزعم بعضهم أن إضافته نادرة لا يقاس عليها ، وبعضهم أنّ اسم الجمع لما يعقل مؤنث ، وكلا الزعمين ليس بصواب ، لما تقدّم من الآية الكريمة ، واسم الجمع لما لا يعقل يذكّر ويؤنّث ، وهنا جاء مذكرا لثبوت التاء في عدده . قوله : فَصُرْهُنَّ قرأ حمزة بكسر الصاد ، والباقون بضمّها وتخفيف الراء ، واختلف في ذلك فقيل : القراءتان يحتمل أن تكونا بمعنى واحد ، وذلك أنه يقال : صاره يصوره ويصيره ، بمعنى قطعه أو أماله فاللغتان لفظ
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 6 ) . ( 2 ) سورة النساء ، آية ( 103 ) . ( 3 ) سورة النمل ، آية ( 48 ) . ( 4 ) تقدم .