أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

626

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وسنيهات وسانهت ، قال شاعرهم : 1057 - وليست بسنهاء ولا رجّبيّة * ولكن عرايا في السّنين الجوائح « 1 » ومعنى « لم يتسنّه » على قولنا : إنه من لفظ السّنة ، أي : لم يتغيّر بمرّ السنين عليه ، بل بقي على حاله ، وهذا أولى من قول أبي البقاء في أثناء كلامه « من قولك أسنى يسني إذا مضت عليه سنون » لأنه يصير المعنى : لم تمض عليه سنون ، وهذا يخالفه الحسّ والواقع . وقرأ أبيّ : « لم يسّنّه » بإدغام التاء في السين ، والأصل : « لم يتسنّه » كما قرئ « لا يسمعون إلى الملأ « 2 » ، والأصل : يتسمّعون فأدغم . وقرأ طلحة بن مصرف : « لمئة سنة » . قوله : وَلِنَجْعَلَكَ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه متعلق بفعل محذوف مقدّر بعده ، تقديره : ولنجعلك فعلنا ذلك . والثاني : أنه معطوف على محذوف تقديره : فعلنا ذلك لتعلم قدرتنا ولنجعلك . الثالث : أن الواو زائدة ، واللام متعلقة بالفعل قبلها أي : وانظر إلى حمارك لنجعلك . وليس في الكلام تقديم وتأخير كما زعم بعضهم فقال : إنّ قوله : « وَلِنَجْعَلَكَ » مؤخر بعد قوله : « وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ » ، وأنّ الأنظار الثلاثة منسوقة بعضها على بعض ، فصل بينها بهذا الجاز ، لأنّ النظر الثالث من تمام الثاني ، فلذلك لم تجعل هذه العلة فاصلة معترضة . وهذه اللام لام كي ، والفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » وهي وما بعدها من الفعل في محلّ جر على ما سبق بيانه غير مرة . و « آية » مفعول ثان لأنّ الجعل هنا بمعنى التصيير . و « للناس » صفة لآية ، و « أل » في الناس قيل : للعهد إن عنى بهم بقية قومه . وقيل : للجنس إن عنى بهم جميع بني آدم . قوله : كَيْفَ منصوب نصب الأحوال ، والعامل فيها « ننشزها » وصاحب الحال الضمير المنصوب في « ننشزها » ، ولا يعمل في هذه الحال « انظر » ، إذ الاستفهام له صدر الكلام ، فلا يعمل فيه ما قبله ، هذا هو القول في هذه المسألة ونظائرها . وقال أبو البقاء : « كيف ننشزها في موضع الحال من « العظام » ، والعامل في « كيف » ننشزها ، ولا يجوز أن يعمل فيها « انظر » لأنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ، ولكن « كيف » و « ننشزها » جميعا حال من « العظام » ، والعامل فيها « انظر » تقديره : انظر إلى العظام محياة وهذا ليس بشيء ، لأن هذه جملة استفهام ، والاستفهام لا يقع حالا ، وإنما الذي يقع حالا وحده « كيف » ، ولذلك تبدل منه الحال بإعادة حرف الاستفهام نحو : « كيف ضربت زيدا أقائما أم قاعدا » ؟ والذي يقتضيه النظر الصحيح في هذه المسألة وأمثالها أن تكون جملة « كيف ننشزها » بدلا من « العظام » ، فتكون في محلّ نصب ، وذلك أنّ « نظر » البصرية تتعدّى ب « إلى » ، ويجوز فيها التعليق كقوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ « 3 » فتكون الجملة في محلّ نصب ؛ لأن ما يتعدى بحرف الجر يكون ما بعده في محل نصب

--> ( 1 ) البيت لسويد بن صامت انظر أمالي القالي ( 1 / 21 ) ، معاني الفراء ( 1 / 173 ) ، مجالس ثعلب ( 1 / 76 ) ، الطبري ( 5 / 461 ) ، اللسان « رجب » . ( 2 ) سورة الصافات ، آية ( 8 ) . ( 3 ) سورة هود ، آية ( 21 ) .