أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

617

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وأل في « الدين » للعهد ، وقيل : عوض من الإضافة أي « في دين اللّه » . والرّشد : مصدر رشد بفتح العين يرشد بضمها . وقرأ الحسن « الرّشد » بضمتين كالعنق ، فيجوز أن يكون هذا أصله ، ويجوز أن يكون اتباعا ، وهي مسألة خلاف أعني ضمّ عين الفعل . وقرأ أبو عبد الرحمن الرّشد بفتح الفاء والعين ، وهو مصدر رشد بكسر العين يرشد بفتحها ، وروي عن أبي عبد الرحمن أيضا : « الرّشاد » بالألف . قوله : مِنَ الْغَيِّ متعلّق بتبيّن ، و « من » للفصل والتمييز كقولك : ميّزت هذا من ذاك . وقال أبو البقاء : « في موضع نصب على أنه مفعول » وليس بظاهر لأنّ معنى كونه مفعولا به غير لائق بهذا المحلّ . ولا محلّ لهذه الجملة من الإعراب ، لأنها استئناف جار مجرى التعليل لعدم الإكراه في الدين . والغيّ : مصدر غوى بفتح العين قال : فَغَوى « 1 » ، ويقال : « غوى الفصيل » إذا بشم وإذا جاع أيضا ، فهو من الأضداد . وأصل الغيّ : « غوي » فاجتمعت الياء والواو ، فأدغمت نحو : ميت وبابه . قوله : بِالطَّاغُوتِ متعلّق ب « يكفر » ، والطاغوت بناء مبالغة كالجبروت والملكوت . واختلف فيه ، فقيل : هو مصدر في الأصل ولذلك يوحّد ويذكّر ، كسائر المصادر الواقعة على الأعيان ، وهذا مذهب الفارسي ، وقيل : هو اسم جنس مفرد ، فلذلك لزم الإفراد والتذكير ، وهذا مذهب سيبويه . وقيل هو جمع ، وهذا مذهب المبرد ، وهو مؤنث بدليل قوله تعالى : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها « 2 » . واشتقاقه من طغى يطغى ، أو من طغا يطغو ، على حسب ما تقدّم أول السورة ؟ هل هو من ذوات الواو أو من ذوات الياء ؟ وعلى كلا التقديرين فأصله طغيوت أو طغووت لقولم « طغيان » في معناه ، فقلبت الكلمة بأن قدّمت اللام وأخّرت العين ، فتحرّك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفا ، فوزنه الآن فلعوت ، وقيل : تاؤه ليست زائدة ، وإنما هي بدل من لام الكلمة ، ووزنه فاعول . قال مكي : « وقد يجوز أن يكون أصل لامه واوا فيكون أصله طغووتا لأنه يقال : طغى يطغى ويطغو ، وطغيت وطغوت ، ومثله في القلب والاعتلال والوزن : حانوت ، لأنه من حنا يحنو وأصله حنووت ، ثم قلب وأعلّ ، ولا يجوز أن يكون من : حان يحين لقولهم في الجمع حوانيت » انتهى . كأنّه لمّا رأى أنّ الواو قد تبدل تاء كما في تجاه وتخمة وتراث وتكأة ، ادّعى قلب الواو التي هي لام تاء ، وهذا ليس بشيء . وقدّم ذكر الكفر بالطاغوت على ذكر الإيمان باللّه اهتماما بوجوب الكفر بالطاغوت ، وناسبه اتصاله بلفظ « الغيّ » . والعروة : موضع شدّ الأيدي ، وأصل المادة يدلّ على التعلّق ، ومنه : عروته : ألممت به متعلّقا ، واعتراه الهمّ : تعلّق به . والوثقى : فعلى للتفضيل تأنيث الأوثق ، كفضلى تأنيث الأفضل ، وجمعها على وثق نحو : كبرى وكبر ، فأمّا « وثق » بضمتين فجمع وثيق . قوله : لَا انْفِصامَ لَها كقول : لا رَيْبَ فِيهِ « 3 » والجملة فيها ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون استئنافا فلا محلّ لها حينئذ .

--> ( 1 ) سورة طه ، آية ( 121 ) . ( 2 ) سورة الزمر ، آية ( 17 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 2 ) .