أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
607
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وشرط هذا الإدغام في هذا الحرف عند أبي عمرو ضمّ الهاء كهذه الآية ، ومثله هُوَ وَالْمَلائِكَةُ « 1 » هُوَ وَجُنُودُهُ « 2 » ، فلو سكنت الهاء امتنع الإدغام نحو : وَهُوَ وَلِيُّهُمْ « 3 » ولو جرى فيه الخلاف أيضا لم يكن بعيدا ، فله أسوة بقوله : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ « 4 » بل أولى لأن سكون هذا عارض بخلاف : « العفو وأمر » . قوله : لا طاقَةَ لَنَا « لنا » هو خبر « لا » فيتعلّق بمحذوف . ولا يجوز أن يتعلّق بطاقة ، وكذلك ما بعده من قوله « اليوم » و « بجالوت » لأنه حينئذ يصير مطوّلا ، والمطوّل ينصب منونا ، وهذا كما تراه مبنيا على الفتح ، بل « اليوم » و « بجالوت » متعلّقان بالاستقرار الذي تعلّق به « لنا » . وأجاز أبو البقاء أن يكون « بجالوت » هو خبر « لا » ، و « لنا » حينئذ : إما تبيين أو متعلّق بمحذوف على أنه صفة لطاقة . والطاقة : القدرة وعينها واو ، لأنها من الطّوق وهو القدرة ، وهي مصدر على حذف الزوائد ، فإنّها من « أطاق » ونظيرها : أجاب جابة ، وأغار غارة ، وأطاع طاعة . و « جالوت » اسم أعجميّ ممنوع الصرف ، لا اشتقاق له ، وليس هو فعلوتا من جال يجول كما تقدّم في طالوت ، ومثلهما داود . قوله : كَمْ مِنْ فِئَةٍ « كم » خبرية فإنّ معناها التكثير ، ويدل على ذلك قراءة أبيّ : « وكائن » وهي للتكثير ومحلّها الرفع بالابتداء و « من فئة » تمييزها ، و « من » زائدة فيه . وأكثر ما يجيء مميّزها ومميّز « كائن » مجرورا بمن ، ولهذا جاء التنزيل على ذلك ، وقد تحذف « من » فيجرّ مميّزها بالإضافة لا بمن مقدرة على الصحيح ، وقد ينصب حملا على مميّز « كم » . الاستفهامية ، كما أنه قد يجرّ مميّز الاستفهامية حملا عليها وذلك بشروط مذكورة في النحو . ومن مجيء مميّز « كائن » منصوبا قول الشاعر : 1031 - اطرد اليأس بالرّجاء فكائن * آلما حمّ يسره بعد عسر « 5 » وأجازوا أن يكون « من فئة » في محلّ رفع صفة ل « كم » فيتعلّق بمحذوف ، و « غلبت » هذه الجملة هي خبر « كم » والتقدير : كثير من الفئات القليلة غالبة الفئات الكثيرة . وفي » فئة » قولان أحدهما : أنها من فاء يفيء أي : رجع فحذفت عينها ووزنها فلة . والثاني : أنها من فأوتّ رأسه أي : كسرته ، فحذفت لامها ووزنها فعة كمئة ، إلّا أنّ لام مئة ياء ولام هذه واو ، ومعناها على كلّ من الاشتقاقين صحيح ، فإنّ الجماعة من الناس يرجع بعضهم إلى بعض ، وهم أيضا قطعة من الناس كقطع الرأس المكسّرة . قوله : بِإِذْنِ اللَّهِ فيه وجهان : أظهرهما : أنه حال فيتعلّق بمحذوف ، والتقدير : ملتبسين بتيسير اللّه لهم .
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 18 ) . ( 2 ) سورة القصص ، آية ( 39 ) . ( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 127 ) . ( 4 ) سورة الأعراف ، آية ( 199 ) . ( 5 ) البيت في الهمع ( 1 / 225 ) ، الأشموني ( 4 / 85 ) ، أوضح المسالك ( 3 / 229 ) ، الدرر ( 1 / 212 ) .