أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

605

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ منصوب على الاستثناء ، وفي المستثنى منه وجهان : الصحيح أنه الجملة الأولى وهي : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ، والجملة الثانية معترضة بين المستثنى والمستثنى منه ، وأصلها التأخير ، وإنّما قدّمت لأنها تدلّ عليها الأولى بطريق المفهوم ، فإنّه لمّا قال تعالى : « فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي » فهم منه أنّ من لم يشرب فإنّه منه ، فلمّا كانت مدلولا عليها بالمفهوم صار الفصل بها كلا فصل . وقال الزمخشري : « والجملة الثانية في حكم المتأخرة ، إلّا أنها قدّمت للعناية ، كما قدّم « والصابئون » في قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ « 1 » . والثاني : أنه مستثنى من الجملة الثانية ، وإليه ذهب أبو البقاء . وهذا غير سديد لأنه يؤدّي إلى أن المعنى : ومن لم يطعمه فإنه مني إلّا من اغترف بيده فإنه ليس مني ، لأنّ الاستثناء من النفي إثبات ، ومن الإثبات نفي ، كما هو الصحيح ، ولكن هذا فاسد في المعنى لأنهم مفسوح لهم في الاغتراف غرفة واحدة . والاستثناء إذا تعقّب الجمل وصلح عوده على كلّ منها هل يختصّ بالأخيرة أم لا ؟ خلاف مشهور ، فإن دلّ دليل على اختصاصه بإحدى الجمل عمل به ، والآية من هذا القبيل ، فإنّ المعنى يعود إلى عوده إلى الجملة الأولى لا الثانية لما ذكرت لك . وقرأ الحرميّان وأبو عمرو : « غرفة » بفتح الغين والباقون بضمها . فقيل : هما بمعنى المصدر ، إلّا أنهما جاءا على غير الصدر كنبات من أنبت ، ولو جاء على الصدر لقيل : اغترافا . وقيل : هما بمعنى المغترف كالأكل بمعنى المأكول . وقيل : المفتوح مصدر قصد به الدلالة على الوحدة فإنّ « فعلة » يدلّ على المرّة ، والمضموم بمعنى المفعول ، فحيث جعلتهما مصدرا فالمفعول محذوف ، تقديره : إلّا من اغترف ماء ، وحيث جعلتهما بمعنى المفعول كانا مفعولا به ، فلا يحتاج إلى تقدير مفعول . ونقل عن أبي عليّ أنه كان يرجّح قراءة الضم لأنه في قراءة الفتح يجعلها مصدرا ، والمصدر لا يوافق الفعل في بنائه ، إنما جاء على حذف الزوائد وجعلها بمعنى المفعول لا يحوج إلى ذلك فكان أرجح . قوله : بِيَدِهِ يجوز أن يتعلّق ب « اغترف » وهو الظاهر . ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنه نعت ل « غرفة » ، وهذا على قولنا بأن « غرفة » ، بمعنى المفعول أظهر منه على قولنا بأنها مصدر ، فإنّ الظاهر من الباء على هذا أن تكون ظرفية ، أي غرفة كائنة في يده . قوله : إِلَّا قَلِيلًا هذه القراءة المشهورة ، وقرأ عبد اللّه وأبيّ « إلا قليل » وتأويله أنّ هذا الكلام وإن كان موجبا لفظا فهو منفيّ معنى ، فإنه في قوة : لم يطيعوه إلا قليل منهم ، فلذلك جعله تابعا لما قبله في الإعراب . قال الزمخشري : « وهذا من ميلهم مع المعنى والإعراض عن اللفظ جانبا ، وهو باب جليل من علم العربية ، فلمّا كان معنى فَشَرِبُوا مِنْهُ في معنى « فلم يطيعوه » حمل عليه ، ونحوه قول الفرزدق : « لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلّف » يشير إلى قوله :

--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 69 ) .