أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

593

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والرؤية هنا علمية فكان من حقّها أن تتعدّى لاثنين ، ولكنها ضمّنت معنى ما يتعدّى بإلى ، والمعنى : ألم ينته علمك إلى كذا . وقال الراغب : « رأيت : يتعدّى بنفسه دون الجارّ ، لكن لما استعير قولهم : « ألم تر » بمعنى ألم تنظر عدّي تعديته ، وقلّما يستعمل ذلك في غير التقدير ، لا يقال : رأيت إلى كذا » . وقرأ السلمي : « تر » بسكون الراء ، وفيها وجهان : أحدهما : أنه توهّم أن الراء لام الكلمة فسكّنها للجزم كقوله : 1017 - قالت سليمى اشتر لنا سويقا * واشتر فعجّل خادما لبيقا « 1 » وقيل : هي لغة قوم ، لم يكتفوا في الجزم بحذف حرف العلة . والثاني : أنه أجرى الوصل مجرى الوقف ، وهذا أولى فإنه كثير في القرآن نحو : الظُّنُونَا « 2 » و الرَّسُولَا « 3 » و السَّبِيلَا « 4 » و لَمْ يَتَسَنَّهْ « 5 » وبهداهم اقْتَدِهْ « 6 » وقوله : وَنُصْلِهِ « 7 » و نُؤْتِهِ « 8 » و يُؤَدِّهِ « 9 » ، وسيأتي ذلك . قوله : وَهُمْ أُلُوفٌ مبتدأ وخبر ، وهذه الجملة في موضع نصب على الحال ، وهذا أحسن مجيئها ، إذ قد جمع فيها بين الواو والضمير . و « ألوف » فيه قولان : أظهرهما : أنه جمع « ألف » لهذا العدد الخاصّ وهو جمع كثرة ، وجمع القلة : آلاف كحمول وأحمال . والثاني : أنه جمع « آلف » على فاعل كشاهد وشهود وقاعد وقعود . أي : خرجوا وهم مؤتلفون ، قال الزمخشري : « وهذا من بدع التفاسير » . قوله : حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول من أجله ، وفيه شروط النصب ، أعني المصدرية واتحاد الفاعل والزمان . قوله : ثُمَّ أَحْياهُمْ فيه وجهان : أحدهما : أنه معطوف على معنى : فقال لهم اللّه : موتوا ، لأنه أمر في معنى الخبر تقديره : فأماتهم اللّه ثم أحياهم . والثاني : أنه معطوف على محذوف ، تقديره : فماتوا ثم أحياهم ، و « ثم » تقتضي تراخي الإحياء عن الإماتة . وألف « أحيا » عن ياء ، لأنه من « حيي » ، وقد تقدّم تصريف هذه المادة عند قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا « 10 » . قوله : إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ أتى بهذه الجملة مؤكّدة ب « إنّ » واللام ، وأتى بخبر « إنّ » : « ذو » الدالة على

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة الأحزاب ، آية ( 10 ) . ( 3 ) سورة الأحزاب ، آية ( 66 ) . ( 4 ) سورة الأحزاب ، آية ( 67 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 259 ) . ( 6 ) سورة الأنعام ، آية ( 90 ) . ( 7 ) سورة النساء ، آية ( 115 ) . ( 8 ) سورة آل عمران ، آية ( 145 ) . ( 9 ) سورة آل عمران ، آية ( 75 ) . ( 10 ) سورة البقرة ، آية ( 26 ) .