أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

588

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والمفضّل عليه في الآية الكريمة محذوف ، تقديره : أقرب للتقوى من ترك العفو . والياء في التقوى بدل من واو ، وواوها بدل من ياء لأنها من وقيت أقي وقاية ، وقد تقدّم ذلك أول السورة . قوله : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ الجمهور على ضمّ الواو من « تنسوا » لأنها واو ضمير . وقرأ ابن يعمر بكسرها تشبيها بواو « لو » كما ضمّوا الواو من « لو » تشبيها بواو الضمير . وقال أبو البقاء : « في واو « تنسوا » من القراءات ووجوهها ما ذكرناه في اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ « 1 » . وكان قد قدّم فيها خمس قراءات ، فظاهر كلامه عودها كلّها إلى هنا ، إلّا أنه لم ينقل هنا إلا الوجهان اللذان ذكرتهما . وقرأ عليّ رضي اللّه عنه : « ولا تناسوا » قال ابن عطية : « وهي قراءة متمكّنة في المعنى ، لأنه موضع تناس لا نسيان ، إلّا على التشبيه » . وقال أبو البقاء : على باب المفاعلة ، وهي بمعنى المتاركة لا بمعنى السهو ، وهو قريب من قول ابن عطية . قوله : بَيْنَكُمْ فيه وجهان : أحدهما : أنه منصوب ب « تنسوا » . والثاني : أنه متعلّق بمحذوف على أنّه حال من الفضل أي : كائنا بينكم . والأول أولى لأنّ النهي عن فعل يكون بينهم أبلغ من فعل لا يكون بينهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 238 إلى 242 ] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ( 238 ) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 239 ) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 240 ) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 241 ) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 242 ) قوله تعالى : حافِظُوا : في « فاعل » هنا قولان : أحدهما : أنه بمعنى فعل كطارقت النعل وعاقبت اللصّ . ولمّا ضمّن المحافظة معنى المواظبة عدّاها ب « على » . الثاني : أنّ « فاعل » على بابها من كونها بين اثنين ، فقيل : بين العبد وربّه ، كأنه قيل : احفظ هذه الصلاة يحفظك اللّه . وقيل : بين العبد والصلاة أي : احفظها تحفظك . وقال أبو البقاء : « ويكون وجوب تكرير الحفظ جاريا مجرى الفاعلين ، إذ كان الوجوب حاثّا على الفعل ،

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 16 ) .