أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
559
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
و « آتى » يتعدّى لاثنين أولهما « هنّ » والثاني هو العائد المحذوف . و « شيئا » مفعول به ناصبه « تأخذوا » . ويجوز أن يكون مصدرا أي : شيئا من الأخذ . والوجهان منقولان في قوله : لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً « 1 » . قوله : إِلَّا أَنْ يَخافا هذا استثناء مفرغ ، وفي « أن يخافا » وجهان : أحدهما : أنه في محلّ نصب على أنه مفعول من أجله ، فيكون مستثنى من ذلك العام المحذوف ، والتقدير : ولا يحلّ لكم أن تأخذوا بسبب من الأسباب إلا بسبب خوف عدم إقامة حدود اللّه ، وحذف حرف العلة لاستكمال شروط النصب ، لا سيما مع « أن » ، ولا يجيء هنا خلاف الخليل وسيبويه : أهي في موضع نصب أو جرّ بعد حذف اللام ، بل هي في محلّ نصب فقط ، لأنّ هذا المصدر لو صرّح به لنصب وهذا قد نصّ عليه النحويون ، أعني كون أن وما بعدها في محلّ نصب بلا خلاف إذا وقعت موقع المفعول له . والثاني : أنه في محلّ نصب على الحال فيكون مستثنى من العامّ أيضا تقديره : ولا يحلّ لكم في كلّ حال من الأحوال إلا في حال خوف ألّا يقيما حدود اللّه . قال أبو البقاء : والتقدير : إلّا خائفين ، وفيه حذف مضاف تقديره : ولا يحلّ أن تأخذوا على كلّ حال أو في كلّ حال إلا في حال الخوف . والوجه الأول أحسن وذلك أنّ « أن » وما في حيّزها مؤولة بمصدر ، وذلك المصدر واقع موقع اسم الفاعل المنصوب على الحال ، والمصدر لا يطّرد وقوعه حالا فكيف بما هو في تأويله ! ! وأيضا فقد نصّ سيبويه على أنّ « أن » المصدرية لا تقع موقع الحال . والألف في قوله « يخافا » و « يقيما » عائدة على صنفي الزوجين . وهذا الكلام فيه التفات ، إذ لو جرى على نسق الكلام لقيل : إلّا أن تخافوا ألّا تقيموا بتاء الخطاب للجماعة ، وقد قرأها كذلك عبد اللّه ، وروي عنه أيضا بياء الغيبة وهو التفات أيضا . والقراءة في « يخافا » بفتح الياء واضحة ، وقرأها حمزة بضمّها على البناء للمفعول . وقد استشكلها جماعة وطعن فيها آخرون لعدم معرفتهم بلسان العرب . وقد ذكروا فيها توجيهات كثيرة . أحسنها أن يكون « أن يقيما » بدلا من الضمير في « يخافا » لأنه يحلّ محلّه ، تقديره : إلا أن يخاف عدم إقامتهما حدود اللّه ، وهذا من بدل الاشتمال كقولك : « الزيدان أعجباني علمهما » ، وكان الأصل : إلا أن يخاف الولاة الزوجين ألّا يقيما حدود اللّه ، فحذف الفاعل الذي هو « الولاة » للدلالة عليه ، وقام ضمير الزوجين مقام الفاعل ، وبقيت « أن » وما بعدها في محلّ رفع بدلا كما تقدّم تقريره . وقد خرّجه ابن عطية على أنّ « خاف » يتعدّى إلى مفعولين كاستغفر ، يعني إلى أحدهما بنفسه وإلى الآخر بحرف الجرّ ، وجعل الألف هي المفعول الأول قامت مقام الفاعل ، وأن وما في حيّزها هي الثاني ، وجعل « أن » في محلّ جر عند سيبويه والكسائي . وقد ردّ عليه الشيخ « 2 » هذا التخريج بأنّ « خاف » لا يتعدّى لاثنين ، ولم يعدّه النحويون حين عدّوا ما يتعدّى لاثنين ، ولأنّ المنصوب الثاني بعده في قولك : « خفت زيدا ضربه » ، إنما هو بدل لا مفعول به ، فليس هو كالثاني في « استغفرت اللّه ذنبا » ، وبأن نسبة كون « أن » في محلّ جر عند سيبويه ليس بصحيح ، بل مذهبه أنها في محلّ
--> ( 1 ) سورة يس ، آية ( 54 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 197 ) .