أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

555

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وعلى هذا إذا أريد به الحيض فلاجتماع الدم في الرحم ، وإذا أريد به الطّهر فلاجتماع الدم في البدن ، ولكنّ القائل بالاشتراك اللفظي وجعلهما من الأضداد هم جمهور أهل اللسان كأبي عمرو ويونس وأبي عبيدة . ومن مجيء القرء والمراد به الطّهر قول الأعشى : 977 - أفي كلّ عام أنت جاشم غزوة * تشدّ لأقصاها عظيم عزائكا « 1 » مورّثة عزّا وفي الحيّ رفعة * لما ضاع فيها من قروء نسائكا ومن مجيئه للحيض قوله : 978 - يا ربّ ذي ضغن عليّ فارض * له قروء كقروء الحائض « 2 » أي : فسال دمه كدم الحائض . ويقال « قرء » بالضمّ نقله الأصمعي ، و « قرء » بالفتح نقله أبو زيد ، وهما بمعنى واحد . وقرأ الحسن : « ثلاثة قرو » بفتح القاف وسكون الراء وتخفيف الواو من غير همز . ووجهها أنه أضاف العدد لاسم الجنس ، والقرو لغة في القرء . وقرأ الزهري - ويروى عن نافع - : « قروّ » بتشديد الواو ، وهي كقراءة الجمهور إلا أنه خفّف فأبدل الهمزة واوا وأدغم فيها الواو قبلها . قوله : « لهنّ » متعلّق ب « يحلّ ، واللام للتبليغ ، كهي في « قلت لك » . قوله : ما خَلَقَ في « ما » وجهان : أظهرهما : أنّها موصولة بمعنى الذي . والثاني : أنها نكرة موصوفة ، وعلى كلا التقديرين فالعائد محذوف لاستكمال الشروط ، والتقدير : ما خلقه ، و « ما » يجوز أن يراد بها الجنين وهو في حكم غير العاقل ، فلذلك أوقعت عليه « ما » وأن يراد بها دم الحيض . قوله : فِي أَرْحامِهِنَّ فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلّق بخلق . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من عائد « ما » المحذوف ، التقدير ما خلقه اللّه كائنا في أرحامهنّ ، قالوا : وهي حال مقدّرة قال أبو البقاء : « لأنّ وقت خلقه ليس بشيء حتى يتمّ خلقه » . وقرأ مبشّر بن عبيد : « في أرحامهنّ » و « بردّهنّ » بضمّ هاء الكناية ، وقد تقدّم أنه الأصل وأنه لغة الحجاز ، وأنّ الكسر لأجل تجانس الياء أو الكسرة . قوله : إِنْ كُنَّ هذا شرط ، وفي جوابه المذهبان المشهوران : إمّا محذوف ، وتقديره من لفظ ما تقدّم لتقوى الدلالة عليه ، أي : إن كنّ يؤمنّ باللّه واليوم الآخر فلا يحلّ لهنّ أن يكتمن ، وإمّا أنه متقدّم كما هو مذهب الكوفيين

--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 91 ) ، المحتسب ( 1 / 183 ) ، الهمع ( 2 / 141 ) ، الدرر ( 2 / 194 ) . ( 2 ) تقدم .