أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

547

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الوجه ، وذلك أنّ التقادير التي ذكرتها بعد تقدير الإرادة لا يظهر معناها ، لما فيه من تعليل امتناع الحلف بانتفاء البر ، بل وقوع الحلف معلّل بانتفاء البرّ ، ولا ينعقد منهما شرط وجزاء ، لو قلت في معنى هذا النهي وعلّته : « إن حلفت باللّه بررت » لم يصحّ ، بخلاف تقدير الإرادة ، فإنه يعلّل امتناع الحلف بإرادة وجود البرّ ، وينعقد منهما شرط وجزاء ، تقول : إن حلفت لم تبرّ وإن لم تحلف بررت . الثالث : أنّها على إسقاط حرف الجرّ ، أي : في أن تبرّوا ، وحينئذ يجيء فيها القولان : قول سيبويه والفراء ، فتكون في محلّ نصب ، وقول الخليل والكسائي فتكون في محلّ جرّ . وقال الزمخشري : « ويتعلّق « أن تبرّوا » بالفعل أو بالعرضة ، أي : « ولا تجعلوا اللّه لأجل أيمانكم عرضة لأن تبرّوا » . قال الشيخ « 1 » : « وهذا التقدير لا يصحّ للفصل بين العامل ومعموله بأجنبي ، وذلك أنّ « لأيمانّكم » عنده متعلق بتجعلوا ، فوقع فاصلا بين « عرضة » التي هي العامل وبين « أن تبرّوا » الذي هو في أن تبروا ، وهو أجنبيّ منهما . ونظير ما أجازه أن تقول : « امرر واضرب بزيد هندا ، وهو غير جائز ، ونصّوا على أنه لا يجوز : « جاءني رجل ذو فرس راكب أبلق » أي رجل ذو فرس أبلق راكب ، لما فيه من الفصل بالأجنبي . الرابع : أنها في محلّ جرّ عطف بيان لأيمانكم ، أي للأمور المحلوف عليها التي هي البرّ والتقوى والإصلاح . قال الشيخ « 2 » : « وهو ضعيف لما فيه من جعل الأيمان بمعنى المحلوف عليه » ، والظاهر أنها هي الأقسام التي يقسم بها ، ولا حاجة إلى تأويلها بما ذكر من كونها بمعنى المحلوف عليه إذ لم تدع إليه ضرورة ، وهذا بخلاف الحديث ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها » « 3 » فإنه لا بد من تأويله فيه بالمحلوف عليه ، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك في الآية الكريمة . الخامس : أن تكون في محلّ جر على البدل من « لأيمانكم » بالتأويل الذي ذكره الزمخشري ، وهذا أولى من وجه عطف البيان ، فإنّ عطف البيان أكثر ما يكون في الأعلام . السادس : - وهو الظاهر - أنّها على إسقاط حرف الجر لا على ذلك الوجه المتقدم ، بل الحرف غير الحرف ، والمتعلّق غير المتعلّق ، والتقدير : « لإقسامكم على أن تبرّوا » ف « على » متعلق بإقسامكم ، والمعنى : ولا تجعلوا اللّه معرّضا ومتبدّلا لإقسامكم على البرّ والتقوى والإصلاح التي هي أوصاف جميلة خوفا من الحنث ، فكيف بالإقسام على ما ليس فيه برّ ولا تقوى ! ! ! . والعرضة في اشتقاقها ثلاثة أقوال : أحدها : أنها فعلة بمعنى مفعول من العرض كالقطبة والغرفة . ومعنى الآية على هذا : لا تجعلوه معرّضا للحلف من قولهم : فلان عرضة لكذا أي : معرّض ، قال كعب : 959 - من كلّ نضّاخة الذّفرى إذا عرقت * عرضتها طامس الأعلام مجهول « 4 »

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 178 ) . ( 2 ) انظر المصدر السابق . ( 3 ) غير مخرج في الأصل . ( 4 ) انظر ديوانه ( 9 ) ، الطبري ( 4 / 424 ) ، القرطبي ( 3 / 98 ) .