أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
541
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : حَتَّى يُؤْمِنَّ « حتى » بمعنى « إلى » فقط ، والفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » ، أي : إلى أن يؤمنّ ، وهو مبنيّ على المشهور لاتصاله بنون الإناث ، والأصل : يؤمنن ، فأدغمت لام الفعل في نون الإناث . قوله : وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ سوّغ الابتداء ب « أمة » شيئان : لام الابتداء والوصف ، وأصل « أمة » : أمو ، فحذفت لامها على غير قياس ، وعوّض منها تاء التأنيث ك « قلة » و « ثبة » يدلّ على أنّ لامها واو رجوعها في الجمع . قال الكلابي : 953 - أمّا الإماء فلا يدعونني ولدا * إذا تداعى بنو الإموان بالعار « 1 » ولظهورها في المصدر أيضا ، قالوا : أمة بيّنة الأموّة وأقرّت له بالأموّة . وهل وزنها « فعلة » بتحريك العين أو « فعلة » بسكونها ؟ قولان : أظهرهما الأول ، وكان قياسها على هذا أن تقلب لامها ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها كفتاة وقناة ، ولكن حذفت على غير قياس . والثاني : قال به أبو الهيثم ، فإنه زعم أنّ جمع الأمة أمو ، وأنّ وزنها فعلة بسكون العين فيكون مثل نخل ونخلة فأصلها أموة ، فحذفوا لامها إذ كانت حرف لين ، فلمّا جمعوها على مثل نخلة ونخل لزمهم أن يقولوا : أمة وأم ، فكرهوا أن يجعلوها حرفين ، وكرهوا أن يردّوا الواو المحذوفة لمّا كانت آخر الاسم ، فقدّموا الواو وجعلوه ألفا بين الهمزة والميم فقالوا : أام . وما زعمه ليس بشيء إذ كان يلزم أن يكون الإعراب على الميم كما كان على لام « نخل » وراء « تمر » ، ولكنه على التاء المحذوفة مقدّر كما سيأتي بيانه . وجمعت على « إموان » كما تقدّم ، وعلى إماء ، والأصل : إماو ، نحو رقبة ورقاب ، فقلبت الواو همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة ككساء . وفي الحديث : « لا تمنعوا إماء اللّه مساجد اللّه » « 2 » وعلى آم ، قال الشاعر : 954 - تمشي بها ربد النّعا * م تماشي الآم الزّوافر « 3 » والأصل « أأمو » بهمزتين ، الأولى مفتوحة زائدة ، والثانية ساكنة هي فاء الكلمة نحو : أكمة وأأكم ، فوقعت الواو طرفا مضموما ما قبلها في اسم معرب ولا نظير له ، فقلبت الواو ياء والضمة كسرة لتصحّ الياء ، فصار الاسم من قبيل المنقوص نحو : غاز وقاض ، ثم قلبت الهمزة الثانية ألفا لسكونها بعد أخرى مفتوحة ، فتقول : جاء آم ومررت بآم ورأيت آميا ، تقدّر الضمة والكسرة وتظهر الفتحة ، ونظيره في هذا القلب مجموعا أدل وأجر جمع دلو وجرو ، وهذا التصريف الذي ذكرناه يردّ على أبي الهيثم قوله المتقدم ، أعني كونه زعم أن آميا جمع أموة بسكون العين ، وأنه قلب ، إذ لو كان كذلك لكان ينبغي أن يقال جاء آم ومررت بآم ورأيت آما ، وجاء الآم ومررت بالآم ، فتعرب بالحركات الظاهرة . والتفضيل في قوله : خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ : إمّا على سبيل الاعتقاد لا على سبيل الوجود ، وإمّا لأنّ نكاح
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 54 ) ، أمالي ابن الشجري ( 2 / 53 ) ، والقالي ( 2 / 223 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري 2 / 35 ، كتاب الجمعة ( 900 ) ، ومسلم ( 3 ) البيت للكميت انظر اللسان « أما » ، وهو من شواهد البحر ( 2 / 155 ) . 1 / 327 ، كتاب الصلاة ( 136 - 442 ) .