أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

529

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يسوق إلى أنّ قوله : « وكفر به » عطف أيضا على « كبير » ، ويجيء من ذلك أنّ إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر ، وهو بيّن فساده » . وهذا الذي ردّ به قول الفراء غير لازم له ؛ إذ له أن يقول : إنّ قوله « وكفر به » مبتدأ ، وما بعده عطف عليه ، و « أكبر » خبر عنهما ، أي : مجموع الأمرين أكبر من القتال والصدّ ، ولا يلزم من ذلك أن يكون إخراج أهل المسجد أكبر من الكفر ، بل يلزم منه أنه أكبر من القتال في الشهر الحرام . وهو مصدر حذف فاعله ومفعوله ؛ إذ التقدير : وصدّكم - يا كفار - المسلمين عن سبيل اللّه وهو الإسلام . و كُفْرٌ فيه وجهان : أحدهما : أنه عطف على « صدّ » على قولنا بأن « صدا » مبتدأ لا على قولنا بأنه خبر ثان « 1 » عن « قتال » ، لأنه يلزم منه أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرا وليس كذلك ، إلا أن يراد بقتال الثاني ما فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر كما تقدّم ذلك عن بعضهم ، فيكون كفرا ، فيصحّ عطفه عليه مطلقا ، وهو أيضا مصدر لكنه لازم ، فيكون قد حذف فاعله فقط : أي : وكفركم . والثاني : أن يكون مبتدأ كما يأتي تفصيل القول فيه . والضمير في « به » فيه وجهان : أحدهما : أنه يعود على « سبيل » لأنه المحدّث عنه . والثاني أنه يعود على اللّه ، والأول أظهر . و « به » فيه الوجهان ، أعني كونه صفة لكفر ، أو متعلقا به ، كما تقدّم في « فيه » . قوله : وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الجمهور على قراءته مجرورا . وقرئ ( 2 ) شاذا مرفوعا . فأمّا جرّه فاختلف فيه النحويون على أربعة أوجه : أحدها : - وهو قول المبرد وتبعه في ذلك الزمخشري وابن عطية ، قال ابن عطية : « وهو الصحيح » - أنه عطف على « سبيل اللّه » أي : وصدّ عن سبيل اللّه وعن المسجد » . وهذا مردود بأنه يؤدّي إلى الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي تقريره أنّ « صدا » مصدر مقدّر بأن والفعل و « أن » موصول ، وقد جعلتم « والمسجد » عطفا على « سبيل » فهو من تمام صلته ، وفصل بينهما بأجنبي وهو « وكفر به » . ومعنى كونه أجنبيا أنه لا تعلّق له بالصلة . فإن قيل : يتوسّع في الظرف وحرف الجر ما لم يتّسع في غيرهما . قيل : إنما قيل بذلك في التقديم لا في الفصل . الثاني : أنه عطف على الهاء في « به » أي : وكفر به وبالمسجد ، وهذا يتخرّج على قول الكوفيين . وأمّا البصريون فيشترطون في العطف على الضمير المجرور إعادة الخافض إلا في ضرورة ، فهذا التخريج عندهم فاسد . ولا بد من التعرّض لهذه المسألة وما هو الصحيح فيها . فأقول وباللّه العون : اختلف النحاة في العطف على الضمير المجرور على ثلاثة مذاهب : أحدها - وهو مذهب الجمهور من البصريين - : وجوب إعادة الجار إلا في ضرورة . الثاني : أنه يجوز ذلك في السّعة مطلقا ، وهو مذهب الكوفيين ، وتبعهم أبو الحسن ويونس والشلوبيون .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 147 ) .