أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
525
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بمحذوف : إمّا مفرد وإمّا جملة على حسب ما ذكر من الخلاف فيما مضى . وتكون الجملة في محلّ جزم بجواب الشرط . والثاني : أن تكون « ما » موصولة ، و « أنفقتم » صلتها ، والعائد محذوف لاستكمال الشروط ، أي : الذي أنفقتموه . والفاء زائدة في الخبر الذي هو الجارّ والمجرور . قال أبو البقاء في هذا الوجه : « ومن خير يكون حالا من العائد المحذوف » . وهم إنما سألوا عن المنفق ، فكيف أجيبوا ببيان المصرف للمنفق عليه ؟ فيه أجوبة منها : أنّ في الآية حذفا وهو المنفق عليه فحذف ، تقديره : ماذا ينفقون ولمن يعطونه ، فجاء الجواب عنهما ، فأجاب عن المنفق بقوله : « من خير » وعن المنفق عليه بقوله : « فللوالدين » وما بعده . ومنها : أن يكون « ماذا » سؤالا عن المصرف على حذف مضاف ، تقديره : مصرف ما ذا ينفقون ؟ ومنها : أن يكون حذف من الأول ذكر المصرف ومن الثاني ذكر المنفق ، وكلاهما مراد ، وقد تقدّم شيء من ذلك في قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ « 1 » . وقال الزمخشري : قد تضمّن قوله : « ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ » بيان ما ينفقونه ، وهو كلّ خير ؛ وبني الكلام على ما هو أهمّ وهو بيان المصرف ، لأنّ النفقة لا يعتدّ بها إلا أن تقع موقعها . قال : 929 - إنّ الصّنيعة لا تكون صنيعة * حتّى يصاب بها طريق المصنع » « 2 » وأمّا قوله : وَما تَفْعَلُوا ف « ما » شرطية فقط لظهور عملها الجزم بخلاف الأولى . وقرأ علي رضي اللّه عنه : « وما يفعلوا » بالياء على الغيبة ، فيحتمل أن يكون من باب الالتفات من الخطاب ، وأن يكون من الإضمار لدلالة السياق عليه ، أي : وما يفعل الناس . وقرئ : « كتب عليكم القتال » : ببناء « كتب » للفاعل « 3 » وهو ضمير اللّه تعالى ونصب « القتال » . قوله : وَهُوَ كُرْهٌ هذه واو الحال ، والجملة بعدها في محلّ نصب عليها والظاهر أنّ « هو » عائد على القتال . وقيل : يعود على المصدر المفهوم من كتب ، أي : وكتبه وفرضه . وقرأ الجمهور « كره » بضمّ الكاف ، وقرأ السلميّ بفتحها . فقيل : هما بمعنى واحد ، أي : مصدران كالضّعف والضّعف ، قاله الزجاج وتبعه الزمخشري . وقيل : المضموم اسم مفعول والمفتوح المصدر . وقيل : المفتوح بمعنى الإكراه ، قاله الزمخشري في توجيه قراءة السّلمي ، إلا أنّ هذا من باب مجيء المصدر على حذف الزوائد وهو لا ينقاس . وقيل : المفتوح ما أكره عليه المرء ، والمضموم ما كرهه هو . فإن كان « الكره » و « الكره » مصدرا فلا بدّ من تأويل يجوز معه الإخبار به عن « هو » ، وذلك التأويل : إمّا على حذف مضاف ، أي : والقتال ذو كره ، أو على المبالغة ، أو على وقوعه موقع اسم المفعول . وإن قلنا : إنّ « كرها » بالضم اسم مفعول فلا يحتاج إلى شيء من ذلك . و « لكم » في محل رفع ، لأنه صفة لكره ، فيتعلّق بمحذوف أي : كره كائن .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 171 ) . ( 2 ) البيت ذكره ابن منظور في اللسان م « صنع » . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 143 ) .