أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

512

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

915 - وهل أنا إلّا من غزيّة إن غوت * غويت وإن ترشد غزيّة أرشد « 1 » أي : ما ينظرون ، وما أنا ، ولذلك وقع بعدها « إلّا » كما تقع بعد « ما » . و « ينظرون » هنا بمعنى ينتظرون ، وهو معدّى بنفسه ، قال امرؤ القيس : 916 - فإنّكما إن تنظراني ساعة * من الدّهر ينفعني لدى أمّ جندب « 2 » وليس المراد هنا بالنظر تردّد العين ، لأنّ المعنى ليس عليه . واستدلّ بعضهم على ذلك بأن النظر بمعنى البصر يتعدّى بإلى ، ويضاف إلى الوجه ، وفي الآية الكريمة متعدّ بنفسه ، وليس مضافا إلى الوجه ، ويعني بإضافته إلى الوجه قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ « 3 » فيكون بمعنى الانتظار . وهذا ليس بشيء . أمّا قوله : « إنّ الذي بمعنى البصر يتعدّى بإلى فمسلّم ، قوله : « وهو هنا متعدّ بنفسه » ممنوع ، إذ يحتمل أن يكون حرف الجر وهو « إلى » محذوفا ، لأنه يطّرد حذفه مع « أن » و « أنّ » ، إذا لم يكن لبس ، وأمّا قوله : « يضاف إلى الوجه » فممنوع أيضا ، إذ قد جاء مضافا للذات . قال تعالى : أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ « 4 » أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ « 5 » . والضمير في « ينظرون » عائد على المخاطبين بقوله : زَلَلْتُمْ فهو التفات . قوله : إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ هذا مفعول « ينظرون » وهو استثناء مفرّغ أي : ما ينظرون إلا إتيان اللّه . قوله : فِي ظُلَلٍ فيه أربعة أوجه : أحدها : أن يتعلّق ب « يأتيهم » ، والمعنى : يأتيهم أمره أو قدرته أو عقابه أو نحو ذلك ، أو يكون كناية عن الانتقام ؛ إذ الإتيان يمتنع إسناده إلى اللّه تعالى حقيقة . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال ، وفي صاحبها وجهان : أحدهما : هو مفعول يأتيهم ، أي : في حال كونهم مستقرين في ظلل وهذا حقيقة . والثاني : أنه اللّه تعالى بالمجاز المتقدّم ، أي : أمر اللّه في حال كونه مستقرا في ظلل . الثالث : أن تكون « في » بمعنى الباء ، وهو متعلق بالإتيان ، أي : إلّا أن يأتيهم بظلل . ومن مجيء « في » بمعنى الباء قوله : 917 - . . . * خبيرون في طعن الكلى والأباهر « 6 » لأنّ « خبيرين » إنّما يتعدّى بالباء كقوله : 918 - . . . * خبير بأدواء النّساء طبيب « 7 »

--> ( 1 ) البيت لدريد بن الصمة انظر الحماسة ( 1 / 397 ) ، الأصمعيات ( 107 ) ، الخزانة ( 4 / 513 ) ، البحر ( 2 / 124 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة القيامة ، آية ( 23 ) . ( 4 ) سورة الأعراف ، آية ( 143 ) . ( 5 ) سورة الغاشية ، آية ( 17 ) . ( 6 ) تقدم . ( 7 ) تقدم .