أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
496
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والرابع : أن يكون في محلّ نصب على الحال من فاعل « اذكروا » تقديره : مشبهين لكم حين هداكم . قال أبو البقاء : « ولا بدّ من حذف مضاف ؛ لأنّ الجثة لا تشبه الحدث . والخامس : أن تكون الكاف بمعنى « على » كقوله : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ « 1 » . قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ : « إن » هذه هي المخففة من الثقيلة ، واللام بعدها للفرق بينها وبين النافية ، وجاز دخول « إن » على الفعل لأنه ناسخ . وهل هذه اللام لام الابتداء التي كانت تصحب « إنّ » أو لام أخرى غيرها ، اجتلبت للفرق ؟ قولان هذا رأي البصريين . وأمّا الكوفيون فعندهم فيها خلاف : فالفراء يزعم أنها بمعنى « إن » النافية واللام بمعنى إلّا أي : ما كنتم من قبله إلا من الضالين ، ومذهب الكسائي التفصيل : بين أن تدخل على جملة فعلية فتكون « إن » بمعنى قد ، واللام زائدة للتوكيد وبين أن تدخل على جملة اسمية فتكون كقول الفراء ، وقد تقدّم طرف من هذه الأقوال . و مِنْ قَبْلِهِ متعلق بمحذوف يدلّ عليه « لمن الضالين » ، تقديره : كنتم من قبله ضالّين لمن الضالين . ولا يتعلّق بالضالّين بعده ، لأنّ ما بعد أل الموصولة لا يعمل فيما قبلها ، إلا على رأي من يتوسّع في الظرف ، وقد تقدم تحقيقه . والهاء في « قبله » عائدة على « الهدى » المفهوم من قوله : كَما هَداكُمْ . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 199 إلى 200 ] ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 199 ) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 ) قوله تعالى : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ استشكل الناس مجيء « ثم » هنا من حيث إنّ الإفاضة الثانية هي الإفاضة الأولى ؛ لأنّ قريشا كانت تقف بمزدلفة وسائر الناس بعرفة ، فأمروا أن يفيضوا من عرفة كسائر الناس ، فكيف يجاء ب « ثم » التي تقتضي الترتيب والتراخي ؟ وفي ذلك أجوبة : أحدها : أنّ الترتيب في الذّكر لا في الزمان الواقع فيه الأفعال ، وحسّن ذلك أن الإفاضة الأولى غير مأمور بها ، إنما المأمور به ذكر اللّه إذا فعلت الإفاضة . والثاني : أن تكون هذه الجملة معطوفة على قوله وَاتَّقُونِ يا أُولِي ففي الكلام تقديم وتأخير وهو بعيد . الثالث : أن تكون « ثم » بمعنى الواو ، وقد قال به بعض النحويين ، فهي لعطف كلام على كلام منقطع من الأول . الرابع : أن الإفاضة الثانية هي من جمع إلى منى ، والمخاطبون بها جميع الناس ، وبهذا قال جماعة كالضحاك ورجّحه الطبري ، وهو الذي يقتضيه ظاهر القرآن وعلى هذا ف « ثم » على بابها ، قال الزمخشري : « فإن قلت : كيف موقع « ثم » ؟ قلت : نحو موقعها في قولك : « أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم » تأتي ب « ثم » لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره وبعد ما بينهما ، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 185 ) .