أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
490
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يلتزم رفعه أيضا نحو : « ميعادك يوم » والفراء يجيز نصبه مثل البصريين ، وقد نقل عنه أنه منع نصب « أشهر » يعني في الآية لأنها نكرة ، فيكون له في المسألة قولان ، وهذه المسألة بعيدة الأطراف تضمّها كتب النحويين . قال ابن عطية : « ومن قدّر الكلام : الحج في أشهر فيلزمه مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر ، ولم يقرأ به أحد » قال الشيخ « 1 » : « ولا يلزم ذلك ، لأنّ الرفع على جهة الاتساع ، وإن كان أصله الجرّ بفي » . قوله : فَمَنْ : « من » يجوز فيها أن تكون شرطية ، وأن تكون موصولة كما تقدّم في نظائرها ، و « فيهن » متعلّق ب « فرض » . والضمير في « فيهن » يعود على « أشهر » ، وجيء به كضمير الإناث لما تقدّم من أنّ جمع غير العاقل في القلّة يعامل معاملة جمع الإناث على الأفصح ، فلذلك جاء « فيهنّ » دون « فيها » ، وهذا بخلاف قوله : مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ « 2 » لأنه هناك جمع كثرة . قوله : فَلا رَفَثَ الفاء : إمّا جواب الشرط ، وإمّا زائدة في الخبر على حسب النحويين المتقدمين . وقرأ أبو عمرو وابن كثير بتنوين « رفث » و « فسوق » ورفعهما وفتح « جدال » ، والباقون بفتح الثلاثة ، وأبو جعفر - ويروى عن عاصم - برفع الثلاثة والتنوين ، والعطاردي بنصب الثلاثة والتنوين . فأمّا قراءة الرفع ففيها وجهان : أظهرهما : أنّ « لا » ملغاة وما بعدها رفع بالابتداء ، وسوّغ الابتداء بالنكرة تقدّم النفي عليها . و « في الحجّ » خبر المبتدأ الثالث ، وحذف خبر الأول والثاني لدلالة خبر الثالث عليهما ، أو يكون « في الحج » خبر الأول ، وحذف خبر الثاني والثالث لدلالة خبر الأول عليهما ، ويجوز أن يكون « في الحج » خبر الثلاثة . ولا يجوز أن يكون « في الحج » خبر الثاني ، وحذف خبر الأول والثالث لقبح مثل هذا التركيب ، ولتأديته إلى الفصل . والثاني : أن تكون « لا » عاملة عمل ليس ، ولعملها عملها شروط : تنكير الاسم ، وألّا يتقدّم الخبر ولا ينتقض النفي ، فيكون « رفث » اسمها وما بعده عطف عليه ، « وفي الحجّ » الخبر على حسب ما تقدّم من التقادير فيما قبله . وابن عطية جزم بهذا الوجه ، وهو ضعيف لأنّ إعمال « لا » عمل ليس لم يقم عليه دليل صريح ، وإنما أنشدوا أشياء محتملة ، أنشد سيبويه : 884 - من صدّ عن نيرانها * فأنا ابن قيس لا براح « 3 » وأنشد غيره : 885 - تعزّ فلا شيء على الأرض باقيا * ولا وزر ممّا قضى اللّه واقيا « 4 » وقول الآخر : 886 - أنكرتها بعد أعوام مضين لها * لا الدّار دارا ولا الجيران جيرانا « 5 »
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 84 ) . ( 2 ) سورة التوبة ، آية ( 36 ) . ( 3 ) البيت لسعد بن مالك وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 58 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 282 ) ، الحماسة ( 1 / 266 ) ، الهمع ( 1 / 125 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 1 / 108 ) ، رصف المباني ( 166 ) ، الدرر ( 1 / 97 ) ، اللسان « برح » . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) البيت في شرح الحماسة ( 1 / 191 ) ، الإنصاف ( 2 / 26 ) ، وهو من شواهد البحر ( 2 / 88 ) .