أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

473

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : لَيْلَةَ الصِّيامِ : منصوب على الظرف ، وفي الناصب له ثلاثة أقوال : أحدها : - وهو المشهور عند المعربين - أنه « أحلّ » ، وليس بشيء ، لأنّ الإحلال ثابت قبل ذلك الوقت . الثاني : أنه مقدر مدلول عليه بلفظ « الرفث » ، تقديره : أحلّ لكم أن ترفثوا ليلة الصيام ، كما خرّجوا قول الشاعر : 859 - وبعض الحلم عند الجه * ل للذّلّة إذعان « 1 » أي : إذعان للذلة إذعان ، وإنما لم يجز أن ينتصب بالرّفث لأنه مصدر مقدّر بموصول ، ومعمول الصلة لا يتقدّم على الموصول فلذلك احتجنا إلى إضمار عامل من لفظ المذكور . الثالث : أنه متعلّق بالرفث ، وذلك على رأي من يرى الاتساع في الظروف والمجرورات ، وقد تقدّم تحقيقه . وأضيفت الليلة اتساعا لأنّ شرط صحته وهو النية موجودة فيها ، والإضافة تحصل بأدنى ملابسة ، وإلّا فمن حقّ الظرف المضاف إلى حدث أن يوجد ذلك الحدث في جزء من ذلك الظرف ، والصوم في الليل غير معتبر ، ولكنّ المسوّغ لذلك ما ذكرت لك . والجمهور على « أحلّ » مبنيا للمفعول للعلم به وهو اللّه تعالى ، وقرئ مبنيا للفاعل ، وفيه حينئذ احتمالان ، أحدهما : أن يكون من باب الإضمار لفهم المعنى ، أي أحلّ اللّه ، لأنّ من المعلوم أنه هو المحلّل والمحرّم . والثاني : أن يكون الضمير عائدا على ما عاد عليه من قوله : « فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي » وهو المتكلم ، ويكون ذلك التفاتا ، وكذلك في قوله : « لكم » التفات من ضمير الغيبة في : « فليستجيبوا وليؤمنوا » وعدّي « الرفث » بإلى ، وإنما يتعدّى بالباء لما ضمّن من معنى الإفضاء ، كأنه قيل : أحلّ لكم الإفضاء إلى نسائكم بالرّفث . وقرأ عبد اللّه « الرّفوث » . والرّفث لغة مصدر : رفث يرفث إذا تكلم بالفحش ، وأرفث أتى بالرّفث ، قال العجاج : 860 - وربّ أسراب حجيج كظّم * عن اللّغا ورفث التّكلّم « 2 » وقال الزجاج - ويروى عن ابن عباس - : « إن الرفث كلمة جامعة لكلّ ما يريده الرجل من المرأة » . وقيل : الرفث : الجماع نفسه ، وأنشد : 861 - ويرين من أنس الحديث زوانيا * ولهنّ عن رفث الرجال نفار « 3 »

--> ( 1 ) البيت للفند الزماني انظر الهمع ( 2 / 94 ) ، أمالي القالي ( 1 / 260 ) ، الدرر ( 2 / 124 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 456 ) ، الخصائص ( 1 / 33 ) ، المحتسب ( 2 / 247 ) . ( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 27 ) .