أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
471
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال الشيخ « 1 » : « وفيه بعد من وجهين : أحدهما : حذف العائد تقديره : هداكموه ، وقدّره منصوبا لا مجرورا باللام ولا بإلى ، لأنّ حذف المنصوب أسهل . والثاني : حذف مضاف يصحّ به معنى الكلام ، تقديره : على اتّباع الذي هداكم أو ما أشبهه » . وختمت هذه الآية بترجّي الشكر لأنّ قبلها تيسيرا وترخيصا ، فناسب ختمها بذلك . وختمت الآيتان قبلها بترجّي التقوى ، وهو قوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ « 2 » وقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ « 3 » لأنّ القصاص والصوم من أشقّ التكاليف ، فناسب ختمها بذلك ، وهذا أسلوب مطّرد ، حيث ورد ترخيص عقّب بترجي الشكر غالبا ، وحيث جاء عدم ترخيص عقّب بترجي التقوى وشبهها ، وهذا من محاسن علم البيان . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 186 ] وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ( 186 ) قوله تعالى : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ : في « أُجِيبُ » وجهان : أحدهما : أنها جملة في محلّ رفع صفة ل « قَرِيبٌ » . والثاني : أنها خبر ثان لإنّي ، لأنّ « قريب » خبر أول . ولا بدّ من إضمار قول بعد فاء الجزاء تقديره : فقل لهم إني قريب ، وإنما احتجنا إلى هذا التقدير لأنّ المترتّب على الشرط الإخبار بالقرب . وجاء قوله « أجيب » مراعاة للضمير السابق على الخبر ، ولم يراع الخبر فيقال : « يجيب » بالغيبة مراعاة لقوله : « قريب » لأنّ الأشهر من طريقتي العرب هو الأول ، كقوله تعالى : بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ « 4 » وفي أخرى بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ، وقول الشاعر : 857 - وإنّا لقوم ما نرى القتل سبّة * إذا ما رأته عامر وسلول « 5 » ولو راعى الخبر لقال : « ما يرون القتل » . وفي قوله : « عنّي » و « إنّي » التفات من غيبة إلى تكلّم ، لأنّ قبله : « ولتكبّروا اللّه » والاسم الظاهر في ذلك كالضمير الغائب . والكاف في « سألك » للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وإن لم يجر له ذكر ، إلّا أنّ قوله : « أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » يدلّ عليه ، لأنّ تقديره : « أنزل فيه القرآن على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم » . وفي قوله : « فَإِنِّي قَرِيبٌ » مجاز عن سرعة إجابته لدعوة داعيه ، وإلّا فهو متعال عن القرب الحسي لتعاليه عن المكان ، ونظيره : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ « 6 » ، « هو بينكم وبين أعناق رواحلكم » « 7 » .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 44 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 179 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 178 ) . ( 4 ) سورة النمل ، آية ( 55 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) سورة ق ، آية ( 16 ) . ( 7 ) أخرجه الترمذي بنحوه ( 5 / 475 - 476 ) ، كتاب الدعوات ( 3461 ) .