أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
469
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بفطركم في حال العذر اليسر . وفي قوله : « وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ » تأكيد ، لأنّ قبله « يريد بكم اليسر » وهو كاف عنه . وقرأ أبو جعفر ويحيى بن وثاب وابن هرمز : « اليسر والعسر » بضمّ السين ، واختلف النحاة : هل الضمّ أصل والسكون تخفيف ، أو الأصل السكون والضمّ للاتباع ؟ الأول أظهر لأنه المعهود في كلامهم . قوله : وَلِتُكْمِلُوا في هذه اللام ثلاثة أقوال : أحدها : أنها زائدة في المفعول به كالتي في قولك : ضربت لزيد ، و « أن » مقدّرة بعدها تقديره : « ويريد أن تكلموا العدّة » أي : تكميل ، فهو معطوف على اليسر . ونحوه قول أبي صخر : 854 - أريد لأنسى حبّها فكأنّما * تمثّل لي ليلى بكلّ طريق « 1 » وهذا قول ابن عطية والزمخشري وأبي البقاء ، وإنما حسنت زيادة هذه اللام في المفعول - وإن كان ذلك إنما يكون إذا كان العامل فرعا أو تقدّم المعمول - من حيث إنه لمّا طال الفصل بين الفعل وبين ما عطف على مفعوله ضعف بذلك تعدّيه إليه فعدّي بزيادة اللام قياسا لضعفه بطول الفصل على ضعفه بالتقديم . الثاني : أنّها لام التعليل وليست بزائدة ، واختلف القائلون بذلك على ستة أوجه : أحدها : أن يكون بعد الواو فعل محذوف وهو المعلّل تقديره : « ولتكملوا العدّة فعل هذا » ، وهو قول الفراء . الثاني : - وهو قول الزجاج - أن تكون معطوفة على علة محذوفة حذف معلولها أيضا تقديره : فعل اللّه ذلك ليسهّل عليكم ولتكملوا . الثالث : أن يكون الفعل المعلّل مقدرا بعد هذه العلة تقديره : « ولتكملوا العدّة رخّص لكم في ذلك » ونسبه ابن عطية لبعض الكوفيين . الرابع : أنّ الواو زائدة تقديره : يريد اللّه بكم كذا لتكملوا ، وهذا ضعيف جدا . الخامس : أن يكون الفعل المعلّل مقدرا بعد قوله : « وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » ، تقديره : شرع ذلك ، قاله الزمخشري ، وهذا نصّ كلامه قال : « شرع ذلك ، يعني جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر وأمر المرخّص له بمراعاة عدّة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر ، فقوله : « ولتكملوا » علّة الأمر بمراعاة العدّة ، و « لتكبّروا » علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر و « لعلّكم تشكرون » علة الترخيص والتيسير ، وهذا نوع من اللفّ لطيف المسلك ، لا يهتدي إلى تبيّنه إلا النّقّاب من علماء البيان » . السادس : أن تكون الواو عاطفة على علة محذوفة ، التقدير : لتعملوا ما تعملون ولتكلموا ، قاله الزمخشري ، وعلى هذا فالمعلّل هو إرادة التيسير . واختصار هذه الأوجه أن تكون هذه اللام علة لمحذوف : إمّا قبلها وإمّا بعدها ، أو تكون علة للفعل المذكور قبلها وهو « يريد » .
--> ( 1 ) البيت لكثير وهو في ديوانه ( 1 / 248 ) ، المغني ( 1 / 216 ) ، شواهد المغني ( 65 ) ، الكامل ( 823 ) ، أمالي القالي ( 2 / 65 ) ، البحر ( 2 / 42 ) ، والعمدة لابن رشيق ( 2 / 288 ) . يقول : إني أجاهد نفسي على نسيان ذكر ليلى ، وصرف قلبي عنها ، ولكن أينما ذهبت ، خيالها وشبحها أمامي متصور ومتمثل .