أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

467

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : لِلنَّاسِ يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلّق ب « هدى » على قولنا بأنه وقع موقع « هاد » ، أي : هاديا للناس . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف لأنه صفة للنكرة قبله ، ويكون محلّه النصب على الصفة ، ولا يجوز أن يكون « هدى » خبر مبتدأ محذوف تقديره : « هو هدى » لأنه عطف عليه منصوب صريح وهو : « بيّنات » ، و « بيّنات » عطف على الحال فهي حال أيضا ، وكلا الحالين لازمة ، فإنّ القرآن لا يكون إلا هدى وبينات ، وهذا من باب عطف الخاص على العامّ ، لأنّ الهدى يكون بالأشياء الخفيّة والجليّة ، والبيّنات من الأشياء الجليّة . قوله : مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ هذا الجارّ والمجرور صفة لقوله : « هدى وبيّنات » فمحلّه النصب ، ويتعلّق بمحذوف ، أي : إنّ كون القرآن هدى وبيّنات هو من جملة هدى اللّه وبيّناته ؛ وعبّر عن البينات بالفرقان ولم يأت « من الهدى والبينات » فيطابق العجز الصدر لأنّه فيه مزيد معنى لازم للبينات وهو كونه يفرّق بين الحقّ والباطل ، ومتى كان الشيء جليّا واضحا حصل به الفرق ، ولأنّ في لفظ الفرقان تواخي الفواصل قبله ، فلذلك عبّر عن البينات بالفرقان . وقال بعضهم : « المراد بالهدى الأول أصول الديانات وبالثاني فروعها » . وقال ابن عطية : « اللام في الهدى للعهد ، والمراد الأول » يعني أنه تقدّم نكرة ، ثم أعيد لفظها معرفا بأل ، وما كان كذلك كان الثاني فيه هو الأول نحو قوله : إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ، فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ « 1 » ، ومن هنا قال ابن عباس : « لن يغلب عسر يسرين » وضابط هذا أن يحلّ محلّ الثاني ضمير النكرة الأولى ، ألا ترى أنه لو قيل : فعصاه لكان كلاما صحيحا » . قال الشيخ « 2 » : « وما قاله ابن عطية لا يتأتّى هنا ، لأنه ذكر هو والمعربون أنّ « هدى » منصوب على الحال ، والحال وصف في ذي الحال ، وعطف عليه « وبيّنات » فلا يخلو قوله « من الهدى » - المراد به الهدى الأول - من أن يكون صفة لقوله « هدى » أو لقوله : « وبينات » أو لهما ، أو متعلّقا بلفظ « بينات » . لا جائز أن يكون صفة ل « هدى » لأنه من حيث هو وصف لزم أن يكون بعضا ، ومن حيث هو الأول لزم أن يكون إياه ، والشيء الواحد لا يكون بعضا كلّا بالنسبة لماهيّته ، ولا جائز أن يكون صفة لبينات فقط لأنّ « وبينات » معطوف على « هدى » و « هدى » حال ، والمعطوف على الحال حال ، والحالان وصف في ذي الحال ، فمن حيث كونهما حالين تخصّص بهما ذو الحال إذ هما وصفان ، ومن حيث وصفت « بيّنات » بقوله : « من الهدى » خصصناها به فتوقّف تخصيص القرآن على قوله : « هدى وبيّنات » معا ، ومن حيث جعلت « من الهدى » صفة لبيّنات وتوقف تخصيص « بيّنات » على « هدى » فلزم من ذلك تخصيص الشيء بنفسه وهو محال . ولا جائز أن يكون صفة لهما لأنه يفسد من الوجهين المذكورين من كونه وصف الهدى فقط ، أو بينات فقط . ولا جائز أن يتعلّق بلفظ « بينات » لأنّ المتعلّق قيد في المتعلّق به ، فهو كالوصف فيمتنع من حيث يمتنع الوصف ، وأيضا فلو جعلت هنا مكان الهدى ضميرا فقلت : منه ، أي : من ذلك الهدى لم يصحّ ، فلذلك اخترنا أن يكون الهدى والفرقان عامّين حتى يكون هدى وبينات بعضا منهما » . قوله : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ « من » فيها الوجهان : أعني كونها موصولة أو شرطية ، وهو الأظهر . و « منكم » في محلّ نصب على الحال من الضمير المستكنّ في « شهد » ، فيتعلّق بمحذوف ، أي : كائنا منكم .

--> ( 1 ) سورة المزمل ، آية ( 3 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 41 ) .