أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
45
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ مقدمة المصنف ] بسم اللّه الرحمن الرحيم « رب أعن ويسر » مقدمة المصنف الحمد للّه الذي أنزل على عبده الكتاب ناطقا بالحكمة وفصل الخطاب ، ووعد قارئه أعظم الثواب ، وجعل متبعه سالكا طرق السداد والصواب . وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة سالمة من الارتياب وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المرسل بأفضل كتاب صلّى اللّه عليه وعلى آله وسائر الأصحاب ما هطل سحاب ولمع سراب . وبعد : فالقرآن أفضل كتب اللّه الجليلة أنزله على خير خلقه عامة ، وبعثه به إلى خير أمة شهد به كتابه المبين على لسان رسوله الصادق الأمين ، جعله كتابا فارقا بين الشك واليقين أعجزت الفصحاء معارضته وأعيت الألباء مناقضته وأخرست البلغاء مشاكلته ، فلا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . جعل أمثاله عبرا للمتدبرين وأوامره هدى للمستبصرين ، وضرب فيه الأمثال وفرق فيه بين الحرام والحلال ، وكرر القصص والمواعظ بألفاظ بألفاظ لا تمل ولا تخلق على كثرة الرد ، وحثنا على فهم معانيه وبيان أغراضه ومبانيه ؛ فليس المراد حفظه وسرده من غير تأمل لمعناه ولا تفهم لمقاصده ، فقال جلّ من قال : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ، وقال تعالى : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ ذم اليهود حيث يقرأون التوراة تلاوة من غير فهم . وقد ذم السلف الصالح من يفعل ذلك . فالأولى بالعاقل الأريب والفطن اللبيب أن يربأ بنفسه عن هذه المنزلة الدنية ويأخذ بالرتبة السنية فيطلع من علومه على أهمها وآكدها وهي بعد تجويد ألفاظه بالتلاوة خمسة علوم : علم الإعراب وعلم التصريف وعلم اللغة وعلم المعاني وعلم البيان . وقد أكثر العلماء - رحمهم اللّه - من البحث عن ذلك واهتموا به غاية الاهتمام فجزاهم اللّه عن سعيهم أفضل الجزاء يوم الفصل والقضاء ، إذ هم الأئمة الممهدون للقواعد المبينون لأصول المعاقد . غير أن منهم جماعة لم يقتصروا على هذه العلوم الخمسة في مصنف يجمعها بل ضموا إلى ذلك ذكر سبب النزول وذكر القصص على ما فعله المفسرون لأنهم لم يضعوا كتبهم إلا لذلك ، ومنهم من اقتصر على ذكر الإعراب فقط ، ومنهم من اقتصر على علم مفردات الألفاظ فقط وترك شيئا كثيرا من علم التصريف المتعلق باشتقاق اللغة مما لا يسع الإنسان جهله ، ومنهم من اقتصر على معرفة نظمه وجزالته وبلاغته مما يتكفل به علم المعاني والبيان . ورأيت أن هذه العلوم الخمسة متجاذبة شديدة الاتصال بعضها ببعض لا يحصل للناظر في بعضها كبير فائدة بدون الاطلاع على باقيها ، فإن من عرف كون هذا فاعلا أو مفعولا أو مبتدأ مثلا ولم يعرف كيفية تصريفه ولا اشتقاقه ولا كيف