أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
435
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وأمّا قراءة عليّ ففيها تأويلان : أحدهما : - وبه قال الأخفش - أنّ الهمزة أصل وأنه من الخطأ ، و « خطؤات » جمع « خطأة » إن سمع ، وإلّا فتقديرا ، وتفسير مجاهد إياه بالخطايا يؤيّد هذا ، ولكن يحتمل أن يكون مجاهد فسّره بالمرادف . والثاني : أنه قلب الهمزة عن الواو لأنّها جاورت الضمة قبلها فكأنّها عليها ، لأنّ حركة الحرف بين يديه على الصحيح لا عليه . قوله : « إِنَّهُ لَكُمْ » قال أبو البقاء : « إنما كسر الهمزة لأنه أراد الإعلام بحاله ، وهو أبلغ من الفتح ، لأنه إذا فتح الهمزة صار التقدير : لا تتّبعوه لأنه عدوّ لكم ، واتّباعه ممنوع وإن لم يكن عدوا لنا ، ومثله : 814 - لبّيك إنّ الحمد لك * . . . « 1 » كسر الهمزة أجود لدلالة الكسر على استحقاقه الحمد في كلّ حال وكذلك التلبية » انتهى . يعني أن الكسر استئناف فهو بعض إخبار بذلك ، وهذا الذي قاله في وجه الكسر لا يتعيّن ، لأنه يجوز أن يراد التعليل مع كسر الهمزة فإنهم نصّوا على أنّ « إنّ » المكسورة تفيد العلة أيضا ، وقد ذكر ذلك في هذه الآية بعينها فينبغي أن يقال : قراءة الكسر أولى لأنها محتملة للإخبار المحض بحاله وللعلّيّة ، وأمّا المفتوحة فهي نصّ في العلّيّة ، لأنّ الكلام على تقدير لام العلة . قوله تعالى : وَأَنْ تَقُولُوا : عطف على قوله « بِالسُّوءِ » تقديره : « وبأن تقولوا » فيحتمل موضعها الجر والنصب بحسب قولي الخليل وسيبويه . و « الْفَحْشاءِ » مصدر من الفحش ، كالبأساء من البأس . والفحش قبح المنظر ، قال امرؤ القيس : 815 - وجيد كجيد الرّئم ليس بفاحش * إذا هي نصّته ولا بمعطّل « 2 » وتوسّع فيه حتى صار يعبّر به عن كلّ مستقبح معنى كان أو عينا . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 170 إلى 171 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 ) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 ) قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ : الضمير في « لهم » فيه أربعة أقوال : أحدها : أنه يعود على « من » في قوله : « مَنْ يَتَّخِذُ » « 3 » وهذا بعيد . الثاني : أنه يعود على العرب الكفّار لأنّ هذا حالهم .
--> ( 1 ) البيت لأبي نواس في ديوانه . ( 2 ) البيت من معلقته المشهورة انظر ديوانه ( 115 ) ، شرح المعلقات للتبريزي ( 44 ) ، والزوزني ( 21 ) ، الشنقيطي ( 63 ) ، البحر المحيط ( 1 / 477 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 165 ) .