أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
428
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ جواب لو محذوف ، واختلف في تقديره ، ولا يظهر ذلك إلا بعد ذكر القراءات الواردة في ألفاظ هذه الآية الكريمة : قرأ ابن عامر ونافع : « ولو ترى » بتاء الخطاب ، « أن القوة » و « أن اللّه » بفتحهما ، وقرأ ابن عامر : « إذ يرون » بضم الياء ، والباقون بفتحهما . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون : « ولو يرى » بياء الغيبة ، « أنّ القوة » و « أنّ اللّه » بفتحهما ، وقرأ الحسن وقتادة وشيبة « 1 » ويعقوب وأبو جعفر : « ولو ترى » بالخطاب ، « إن القوة » و « إن اللّه » بكسرهما ، وقرأت طائفة : « ولو يرى » بياء الغيبة ، « إن القوة » و « إن اللّه » بكسرهما . إذا تقرّر ذلك فقد اختلفوا في تقدير جواب لو ، فمنهم من قدّره قبل قوله : « أن القوة » ومنهم من قدّره بعد قوله : « وأنّ اللّه شديد العذاب » وهو قول أبي الحسن الأخفش والمبرد . أمّا من قدّره قبل « أنّ القوة » فيكون « أنّ القوة » معمولا لذلك الجواب . وتقديره على قراءة ترى - بالخطاب - وفتح أنّ وأنّ : لعلمت أيها السامع أنّ القوة للّه جميعا ، والمراد بهذا الخطاب : إمّا النبيّ عليه السّلام وإمّا كلّ سامع . وعلى قراءة الكسر في « إنّ » يكون التقدير : لقلت إنّ القوة للّه جميعا ، والخلاف في المراد بالخطاب كما تقدّم ، أو كون التقدير : لاستعظمت حالهم ، وإنما كسرت « إنّ » لأنّ فيها معنى التعليل نحو قولك : لو قدمت على زيد لأحسن إليك إنّه مكرم للضّيفان ، فقولك : « إنه مكرم للضّيفان » علّة لقولك « أحسن إليك » . وقال ابن عطية : « تقديره : ولو ترى الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقرّوا أنّ القوة للّه جميعا » . وناقشه الشيخ « 2 » فقال : « كان ينبغي أن يقول : في وقت رؤيتهم العذاب فيأتي بمرادف « إذ » وهو الوقت لا الحال ، وأيضا فتقديره لجواب « لو » غير مرتّب على ما يلي « لو » ، لأنّ رؤية السامع أو النبي عليه السّلام الظالمين في وقت رؤيتهم لا يترتّب عليها إقرارهم بأنّ القوة للّه جميعا ، وهو نظير قولك : « يا زيد لو ترى عمرا في وقت ضربه لأقرّ أنّ اللّه قادر عليه » فإقراره بقدرة اللّه ليست مترتبة على رؤية زيد » انتهى . وتقديره على قراءة « يرى » بالغيبة : لعلموا أن القوة ، إنّ كان فاعل « يرى » « الذين ظلموا » ، وإن كان ضميرا يعود على السامع فيقدّر : لعلم أنّ القوة . وأمّا من قدّره بعد قوله : شديد العذاب فتقديره على قراءة « ترى » بالخطاب : لاستعظمت ما حلّ بهم ، ويكون فتح « أنّ » على أنه مفعول من أجله ، أي : لأنّ القوة للّه جميعا ، وكسرها على معنى التعليل نحو : « أكرم زيدا إنه عالم ، وأهن عمرا إنّه جاهل » ، أو تكون جملة معترضة بين « لو » وجوابها المحذوف . وتقديره على قراءة « ولو يرى » بالغيبة إن كان فاعل « يرى » ضمير السامع : لاستعظم ذلك ، وإنّ كان فاعله « الذين » كان التقدير : لاستعظموا ما حلّ بهم ، ويكون فتح « أنّ » على أنها معمولة ليرى ، على أن يكون الفاعل « الذين ظلموا » ، والرؤية هنا تحتمل أن تكون من رؤية القلب فتسدّ « أنّ » مسدّ مفعولهما ، وأن تكون من رؤية البصر فتكون في موضع مفعول واحد . وأمّا قراءة « يرى الذين » بالغيبة وكسر « إنّ » و « إنّ » فيكون الجواب قولا محذوفا وكسرتا لوقوعهما بعد القول ، فتقديره على كون الفاعل ضمير الرأي : لقال إنّ القوة ؛ وعلى كونه « الذين » : لقالوا ، ويكون مفعول « يرى » محذوفا أي : لو يرى حالهم . ويحتمل أن يكون الجواب : لاستعظم أو لاستعظموا على حسب القولين ، وإنما كسرتا
--> ( 1 ) شيبة بن نصاح بن سرجس بن يعقوب المخزومي المدني قاضي المدينة وإمام أهلها في القراءات وكان من ثقات رجال الحديث التهذيب ( 4 / 377 ) ، الأعلام ( 3 / 181 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 471 ) .