أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
410
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدها : أنها متعلقة بقوله : « ولأتم » تقديره : ولأتم نعمتي عليكم إتماما ، مثل إتمام الرسول فيكم ، ومتعلق الإتمامين مختلف ، فالأول بالثواب في الآخرة . والثاني بإرسال الرسول في الدنيا أو الأول بإيجاب الدعوة الأولى لإبراهيم في قوله : وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ « 1 » . والثاني بإيجابة الدعوة الثانية في قوله : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ « 2 » ورجحه مكي لأن سياق اللفظ يدل على أن المعنى : ولأتم نعمتي ببيان ملة أبيكم إبراهيم ، كما أجبنا دعوته فيكم فأرسلنا إليكم رسولا منكم . الثاني : أنها متعلقة بيهتدون تقديره : يهتدون اهتداء مثل إرسالنا فيكم رسولا ، ويكون تشبيه الهداية بالإرسال في التحقيق والثبوت أي : اهتداء متحققا كتحقق إرسالنا . الثالث : وهو قول أبي مسلم أنها متعلقة بقوله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً « 3 » أي : جعلا مثل إرسالنا ، وهذا بعيد جدا لطول الفصل المؤذن بالانقطاع . الرابع : أنها متعلقة بما بعدها وهو « اذكروني » قال الزمخشري : كما ذكرتكم بإرسال الرسل ، فاذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب فيكون على تقدير مصدر محذوف ، وعلى تقدير مضاف أي : اذكروني ذكرا مثل ذكرنا لكم بالإرسال ، ثم صار : مثل ذكر إرسالنا ثم حذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، وهذا كما تقول : كما أتاك فلان فإنه يكرمك ، والفاء غير مانعة من ذلك قال أبو البقاء : كما لم تمنع في باب الشرط يعني أن ما بعد فاء الجزاء يعمل فيما قبلها « وقد رد مكي هذا بأن الأمر إذا كان له جواب ، لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه و « اذكروني » قد أجيب بقوله : « أذكركم » فلا يتعلق به ما قبله ، قال : ولا يجوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاب بجوابين نحو : إذا أتاك فلان فأكرمه ترضه فيكون « كما » و « فأذكركم » جوابين للأمر ، والأول أفصح وأشهر ، وتقول : « كما أحسنت إليك فأكرمني » فيصبح أن تجعل الكاف متعلقة بأكرمني ، إذ لا جواب له . وهذا الذي منعه مكي . قال الشيخ « 4 » : لا نعلم خلافا في جوازه ، وأما قوله : « إلا أن يشبه بالشرط » وجعله « كما » جوابا للأمر ، فليس بتشبيه صحيح ولا يتعقل وللاحتجاج عليه موضع غير هذا الكتاب . قال الشيخ « 5 » : وإنما يخدش هذا عندي وجود الفاء ، فإنها لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ، وتبعد زيادتها انتهى ، وقد تقدم ما نقلته عن أبي البقاء في أنها غير مانعة من ذلك . الخامس : أنها متعلقة بمحذوف على أنها حال من نعمتي ، والتقدير : ولأتم نعمتي مشبهة إرسالنا فيكم رسولا ، أي مشبهة نعمة الإرسال ، فيكون على حذف مضاف ، وأما على القول بأنها للتعليل فتتعلق بما بعدها ، وهو قوله : « فاذكروني » أي : اذكروني لأجل إرسالنا فيكم رسولا ، وكون الكاف للتعليل واضح ، وجعل بعضهم منه :
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 138 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 12 ) . ( 3 ) سورة البقرة آية ( 143 ) . ( 4 ) البحر المحيط ( 1 / 444 ) . ( 5 ) المصدر السابق .