أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

408

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بفتحها وتخفيف اللام على أنها للاستفتاح ، فأما قراءة الجمهور فاختلف النحويون في تأويلها على أربعة أقوال : أظهرها : وهو اختيار الطبري وبدأ به ابن عطية ولم يذكر الزمخشري غيره ، أنه استثناء متصل ، قال الزمخشري : ومعناه لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا للمعاندين منهم القائلين : ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا لدين قومه وحبا لهم ، وأطلق على قولهم « حجة » لأنهم ساقوه مساق الحجة ، وقال ابن عطية : المعنى أنه لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة للذين ظلموا من اليهود وغيرهم ، الذين تكلموا في النازلة وسماها حجة ، وحكم بفسادها حين كانت من ظالم . الثاني : أنه استثناء منقطع فيقدر ب « لكن » عند البصريين ، وببل عند الكوفيين ، لأنه استثناء من غير الأول ، والتقدير لكن الذين ظلموا فإنهم يتعلقون عليكم بالشبهة يضعونها موضع الحجة ، ومثار الخلاف هو : هل الحجة هو الدليل الصحيح أو الاحتجاج صحيحا كان أو فاسدا ؟ فعلى الأول يكون منقطعا ، وعلى الثاني يكون متصلا . الثالث : وهو قول أبي عبيدة أن « إلا » بمعنى الواو العاطفة ، وجعل من ذلك قوله : 778 - وكلّ أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلّا الفرقدان « 1 » وقول الآخر : 779 - ما بالمدينة دار غير واحدة * دار الخليفة إلّا دار مروانا « 2 » تقدير ذلك عنده : ولا الذين ظلموا - والفرقدان - ودار مروان وقد خطأه النحاة في ذلك كالزجاج وغيره . الرابع : أن « إلا » بمعنى بعد أي : بعد الذين ظلموا ، وجعل منه قول اللّه تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى « 3 » وقوله تعالى : إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ « 4 » تقديره : بعد الموتة ، وبعد ما قد سلف ، وهذا من أفسد الأقوال وأنكرها ، وإنما ذكرته لغرض التنبيه على ضعفه . و « الذين » في محل نصب على الاستثناء على القولين اتصالا وانقطاعا ، وأجاز قطرب أن يكون في موضع جر بدلا من ضمير الخطاب في عليكم ، والتقدير : لئلا تثبت حجة للناس على غير الظالمين منهم ، وهم أنتم أيها المخاطبون بتولية وجوهكم إلى القبلة ، ونقل عنه أنه كان يقرأ : « إلا على الذين » كأنه يكرر العامل في البدل على حد قوله : لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ « 5 » وهذا عند جمهور البصريين ممتنع لأنه يؤدي إلى بدل ظاهر من ضمير حاضر ، بدل كل من كل ، ولم يجزه من البصريين إلا الأخفش ، وتأول غيره ما ورد من ذلك . وأما قراءة ابن عباس ف « ألا » للاستفتاح وفي محل « الذين » حينئذ ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه مبتدأ وخبره قوله : « فلا تخشوهم » وإنما دخلت الفاء على الخبر ، لأن الموصول تضمن معنى الشرط والماضي الواقع صلة مستقبل معنى ، كأنه قيل : من يظلم الناس فلا تخشوهم ، ولولا دخول الفاء ، لترجح

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) البيت للفرزدق وليس في ديوانه وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 373 ) ، المقتضب ( 4 / 425 ) ، القرطبي ( 2 / 114 ) . ( 3 ) سورة الدخان ، آية ( 56 ) . ( 4 ) سورة النساء ، آية ( 22 ) . ( 5 ) سورة الأعراف ، آية ( 75 ) .