أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

406

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثاني : وهو قول الزمخشري وأبي البقاء أن اللام زائدة في الأصل قال الزمخشري : المعنى وكل وجهة اللّه موليها فزيدت اللام لتقدم المفعول كقولك : لزيد ضربت ، ولزيد أبوه ضاربه . قال الشيخ « 1 » : وهذا فاسد ، لأن العامل إذا تعدى لضمير الاسم لم يتعد إلى ظاهره المجرور باللام لا تقول : لزيد ضربته ولا : لزيد أنا ضاربه لئلا يلزم أحد محذورين وهما : إما لأنه يكون العامل قويا ضعيفا ، وذلك أنه من حيث تعدى للضمير بنفسه يكون قويا ، ومن حيث تعدى للظاهر باللام يكون ضعيفا ، وإما لأنه يصير المتعدي لواحد متعديا لاثنين ، ولذلك تأول النحويون ما يوهم ذلك وهو قوله : 775 - هذا سراقة للقرآن يدرسه * والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب « 2 » على أن الضمير في يدرسه للمصدر أي : يدرس الدرس لا للقرآن لأن الفعل قد تعدى إليه ، وأما تمثيله بقوله : « لزيد ضربت » فليس نظير الآية ، لأنه لم يتعد في هذا المثال إلى ضميره ، ولا يجوز أن تكون المسألة من باب الاشتغال فتقدر عاملا في « لكل وجهة » يفسره « موليها » ، لأن الاسم المشتغل عنه إذا كان ضميره مجرورا بحرف ينتصب ذلك الاسم بفعل يوافق العامل الظاهر في المعنى ، ولا يجوز جر المشتغل عنه بحرف ، تقول : زيدا مررت به أي : لا بست زيدا مررت به ، ولا يجوز : لزيد مررت به قال تعالى : « وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ » « 3 » وقال : 776 - أثعلبة الفوارس أم رياحا * عدلت بهم طهيّة والخشابا « 4 » فأتى بالمشتغل عنه منصوبا ، وأما تمثيله بقوله : لزيد أبوه ضاربه فتركيب غير عربي الثالث : أن « لكل وجهة » متعلق بقوله : « فاستبقوا الخيرات » أي : فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ، وإنما قدم على العامل للاهتمام به كما يقدم المفعول ، ذكره ابن عطية ، ولا يجوز أن توجه هذه القراءة على أن « لكل وجهة » في موضع المفعول الثاني لموليها ، والمفعول الأول هو المضاف إليه اسم الفاعل الذي هو « مول » ، وهو « ها » وتكون عائدة على الطوائف ويكون التقدير : وكل وجهة اللّه مولي الطوائف أصحاب القبلات ، وزيدت اللام في المفعول لتقدمه ، ويكون العامل فرعا ، لأن النحويين نصوا على أنه لا يجوز زيادة اللام لتقوية إلا في المتعدي لواحد فقط ، و « مولّ » مما يتعدى لاثنين فامتنع ذلك فيه ، وهذا المانع هو الذي منع من الجواب على الزمخشري فيما اعترض به عليه الشيخ من كون الفعل إذا تعدى للظاهر فلا يتعدى لضميره ، وهو أنه كان يمكن أن يجاب عنه بأن الضمير المتصل ب « مول » ليس بضمير المفعول ؛ بل ضمير المصدر وهو التولية ، ويكون المفعول الأول محذوفا ، والتقدير : اللّه مولي التولية كل وجهة أصحابها ، فلما قدم المفعول على العامل قوي باللام لولا أنهم نصوا على المنع من زيادتها في المتعدي لاثنين وثلاثة . قوله : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ « الخيرات » منصوبة على إسقاط حرف الجر التقدير : إلى الخيرات كقول الراعي :

--> ( 1 ) البحر المحيط ( 1 / 438 ) . ( 2 ) البيت من شواهد الكتاب ( 3 / 67 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 239 ) ، المقرب ( 1 / 115 ) ، تعليق الفرائد ( 1 / 1487 ) ، التصريح ( 1 / 326 ) ، الخزانة ( 2 / 3 ) ، ( 5 / 26 ) ، الهمع ( 2 / 33 ) ، شرح شواهد المغني ( 200 ) سراقة رجل من القراء نسب إليه الرياء وقبول الرشا وحرصه عليها حرص الذئب على فريسته . ( 3 ) سورة الإنسان ، آية ( 31 ) . ( 4 ) البيت لجرير انظر ديوانه ( 59 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 102 ) ، ( 3 / 183 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 331 ) ، مجاز القرآن ( 2 / 148 ) ، التصريح ( 1 / 300 ) ، الأشموني ( 2 / 78 ) ، المعنى : لا يصح أن تساوي بين إحدى القبيلتين العظيمتين وبين القبيلتين الوضيعتين اللتين لا قيمة لهما .