أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

394

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

دون عليكم ، وهذا الوجه قاله الشيخ « 1 » مختارا له ردا على الزمخشري مذهبه من أن تقديم المفعول يشعر بالاختصاص ، وقد تقدم ذلك . قوله : الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها في هذه الآية خمسة أوجه : أحدها : أن القبلة مفعول أول ، و « التي كنت عليها » مفعول ثان ، فإن الجعل بمعنى التصيير ، وهذا ما جزم به الزمخشري ، فإنه قال : التي كنت عليها ليس بصفة للقبلة ، إنما هي ثاني مفعولي جعل ، يريد : وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة ، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يصلي بمكة إلى الكعبة ، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس ، ثم حوّل إلى الكعبة . الثاني : أن « القبلة » هي المفعول الثاني ، وإنما قدم و « التي كنت عليها » هو الأول ، وهذا ما اختاره الشيخ « 2 » محتجا له بأن التصيير هو الانتقال من حال إلى حال ، فالملتبس بالحالة الأولى « هو المفعول الأول » ، والملتبس بالحالة الثانية « هو المفعول الثاني » ، ألا ترى أنك تقول : جعلت الطين خزفا ، وجعلت الجاهل عالما ، والمعنى هنا على هذا التقدير ، وما جعلنا القبلة الكعبة التي كانت قبلة لك أولا ، ثم صرفت عنها إلى بيت المقدس قبلتك الآن إلا لنعلم ، ونسب الزمخشري في جعله « القبلة » مفعولا أول إلى الوهم ، وفيه نظر . الثالث : أن « القبلة » مفعول أول و « التي كنت » صفتها ، والمفعول الثاني محذوف تقديره : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة ، ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجه قدره : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة ، ولا طائل تحته . الرابع : أن « القبلة » مفعول أول و « إلا نعلم » هو المفعول الثاني ، وذلك على حذف مضاف تقديره : وما جعلنا صرف القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم نحو قولك : ضرب زيد للتأديب أي كائن أو ثابت للتأديب . الخامس : أن « القبلة » مفعول أول ، والثاني محذوف ، و « التي كنت عليها » صفة لذلك المحذوف ، والتقدير : وما جعلنا القبلة القبلة التي ذكره أبو البقاء ، وهو ضعيف ، وفي قوله : « كنت » وجهان : أحدها : أنها زائدة ، ويروى عن ابن عباس أي : أنت عليها ، وهذا منه تفسير معنى لا إعراب . والقبلة في الأصل اسم للحالة التي عليها المقابل نحو : الجلسة ، وفي التعارف صار اسما للمكان المقابل المتوجه إليه للصلاة ، وقال قطرب : يقولون : « ليس له قبلة » أي : جهة يتوجه إليها ، وقال غيره : إذا تقابل رجلان فكل واحد قبلة للآخر . قوله : إِلَّا لِنَعْلَمَ قد تقدم أنه في أحد الأوجه يكون مفعولا ثانيا ، وأما على غيره فهو استثناء مفرغ من المفعول له العام ، أي : ما سبب تحويل القبلة لشيء من الأشياء إلا لكذا ، وقوله : « لنعلم » ليس على ظاهره ، فإن علمه قديم غير حادث ، فلا بد من تأويله ، وفيه أوجه أحدها : لتمييز التابع من الناكص إطلاقا للسبب وإرادة المسبب ، وقيل : على حذف مضاف أي : لنعلم رسولنا فحذف ، أو أراد بذلك تعلق العلم بطاعتهم وعصيانهم في أمر القبلة .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 422 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 423 ) .